آخر الأخبار

الصلة بين الاسـتـقــامــة والوسطية

شارك المقال على:

مفهوم الاستقامة

الاستقامة ضد الاعوجاج والانحراف، فالشَّيء المستقيم هو المعتدل الذي لا اعوجاج فيه، وهذا يأتي في الحسيات، تقول: هذا طريق مستقيم وهذا طريق مُعْوَجٌّ(1). والاستقامة كلمة جامعة تدل على الالتزام بالمنهج الإلهي، والإقامة على أمر الله، وذلك بالمداومة في العمل والصبر عليه والإتقان له والثبات فيه. وهي روح تحيا به الأرواح، وزكاة تربو عليها الأعمال، فلا زكاء للعمل، ولا صحة للحال بدونها. والاستقامة أداء جميع الواجبات، واجتناب جميع المنهيات، وأنها أمر عظيم لا يطيقها إلا عظماء الرجال.

واستقامة الإنسان لزومه للمنهج المستقيم، والإسلام هو دين الاستقامة، وهو دين الملة الغراء التي تدعوا أبنائها إلى مبادئها السامية، ثم تكلفهم النهوض بتبعات هذه المبادئ في صور عملية واقعية موصلة لا تتوقف إلا لتعذر أو تعسر، والله يريد بعباده اليسر لا العسر، ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها.

سئل صديق الأمة وأعظمها استقامةً أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن الاستقامة؟ فقال: (الاستـقامة هو أن لا تشرك بالله شيئاً). فأراد بها الاستقامة على محض التوحيد.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (الاستقامة: إن تستقيم على الأمر والنهي ولا تروغ روغان الثعالب). فالاستقامة شاقة؛ والنفس معها تحتاج إلى المراقبة والملاحظة، استقامة لا تتأثر بالأهواء، استقامة تحقق العدل والتوحيد، استقامة بعيدة عن المجاوزة. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: (استقاموا: اخلصوا العمل لله). وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (استقاموا أدوا الفرائض).

وقال الحسن البصري رحمه الله: (استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته)(2).

وقال ابن القيم: (الاستقامة: كلمة جامعة، آخذة بمجامع الدين: وهي القيام بين يديِ الله على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد. والاستقامة تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات، فالاستقامة فيها وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله)(3).

ويقول ابن رجب الحنبلي: (الاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك فصارت هذه الوصية جامعه لخصال الدين كلها)(4).

وقال القشيري: الاستقامة درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها. وقيل: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي الله على حقيقة الصدق. وقال بعض العارفين: كن صاحب الاستقامة، لا طالب الكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطالبك بالاستقامة.

الوسطية هي الالتزام بصراط الله القويم

قال سبحانه وتعالى: (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) البقرة: ١٤2  ـ143، قال أبو السعود في تفسير هذه الآية: (وقد روعيت ههنا نكتة رائعة هي أن الجعل المشار إليه عبارة عما تقدم ذكره من هدايته سبحانه وتعالى إلى الحق الذي عبر عنه بالصراط المستقيم الذي هو الطريق السوي الواقع في وسط الطرق الجائرة عن القصد إلى الجوانب، فإنا إذا فرضنا خطوطاً كثيرة وأصلة بين نقطتين متقابلتين فالخط المستقيم إنما هو الخط الواقع في وسط تلك الخطوط المنحنية، ومن ضرورة كونه وسطاً بين الطرق الجائرة كون الأمة المهدية إليه أمة وسطاً بين الأمم السالكة إلى تلك الطرق الزائغة، أي متصفاً بالخصال الحميدة خياراً وعدولاً مزكين بالعلم والعمل)(5).

وهذه الوسطية هي الواردة في الفاتحة باسم: (الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) الفاتحة: ٦، التي تعبدنا الله بها أي بالفاتحة في كل صلاة لكونها أمّ الكتاب، فنجد في هذه السورة لمَّا قال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)، عرَّفه فقال: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)، ثم حدَّده فقال: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)، فجعل الصّراط المستقيم طريق الخيار، وهم الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين. وهو بين طريقي المغضوب عليهم والضّالين.

ومن خصائص هذا الصراط المستقيم أنه موصل للغاية السامية، وهو وحده كذلك دون الطرق الأخرى الملتوية والمعوجة والمنحرفة، وأنه طريق مأنوس بالسائرين إلى الله من المنعم عليهم غير المغضوب عليهم، وهم أولئك الذين عرفوا الحق وخالفوه، وغير الضالين الذين جهلوا الحق واجتهدوا في جهلهم وتمادوا في غيهم، فأمة الوسط بين هذين الطرفين المنحرفين عن الحق.

وقال أبو حيان في تفسير الآية: (جعلهم أمة وسطاً بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، أي أنعمنا عليكم بجعلكم أمة وسطاً مثل ما سبق أنعمنا عليكم بالهداية إلى الصراط المستقيم فتكون الإشارة بذلك إلى المصدر الدال عليه، (يهدي) أي جعلناكم أمة خياراً مثل ما هديناكم بإتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق..)(6).

 (إنه صراط واحد – صراط الله- وسبيل واحد يؤدي إلى الله.. أن يفرد الناس الله سبحانه وتعالى بالربوبية، ويدينوا له بالعبودية، وأن يعلموا أن الحاكمية لله وحده، وأن يدينوا لهذه الحاكمية في حياتهم الواقعية، هذا هو صراط الله، وهذا هو سبيله، وليس وراءه إلاّ السبل التي تتفرق بمن يسلكونها عن سبيله..)(7).

 (فالاستقامة: الاعتدال والمضي على النهج دون انحراف وهو في حاجة إلى اليقظة الدائمة، والتدبر الدائم، والتحري الدائم لحدود الطريق، وضبط الانفعالات البشرية التي تميل الاتجاه قليلا أو كثيرا، ومن ثم فهي شغل دائم في كل حركة من حركات الحياة… وانه مما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة، لم يكن نهيا عن القصور والتقصير، إنما كان نهيا عن الطغيان والمجاوزة… وذلك أن الأمر بالاستقامة وما يتبعه في الضمير من يقظة وتحرج قد ينتهي إلى الغلو والمبالغة التي تحول هذا الدين من يسر إلى عسر، والله يريد دينه كما أنزله، ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعتـه كالتفريط والتقصير، وهي التفاته ذات قيمة كبيرة، لامساك النفوس عن الصراط، بلا انحراف إلى الغلو أو الإهمال على السواء)(8).

أعظم الكرامة لزوم الاستقامة

وقال الله سبحانه وتعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الأنعام: ١٥٣، فهو سبحانه وتعالى قد رسم لعباده المنهاج الواضح القويم، الذي لاعوج فيه ولا انحراف، و أقام الشواهد على صحته وصدقه، ودعاهم إلى النظر فيه للإيمان به عن يقين واقتناع، فإذا آمنوا به وجب عليهم الخضوع له والعمل به، وإلا حقَ عليهم العذاب، إذ ليس بعد الحق إلا الظلال، وليس إمام تارك النور إلا الظلمات.

ومن حاد عن هذه الطريق التي رسمها القرآن فإنه يسلك طرقاً متعددة منحرفة كلها تنتهي إلى النار، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وشماله، ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيـطان يدعو إليه، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(9)، فهو سبحانه وتعالى قد رسم لعباده المنهاج الواضح القويم، الذي لا عوج فيه ولا انحراف، وأقام الشواهد على صحته وصدقه، ودعاهم إلى النظر فيه للإيمان به عن يقين واقتناع، فإذا آمنوا به وجب عليهم الخضوع له والعمل به، وإلاّ حق عليهم العذاب، إذ ليس بعد الحق إلاّ الضلال، وليس أمام تارك النور إلا الظلمات.

قال الإمام القرطبي: (وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشـذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، هذه كلها عرضة لذلك، ومظنة لسوء المعتقد)(10).

وكأن صراط الإسلام هو الخط المستقيم، والخط المستقيم هو اعدل الخطوط أقربها في التبليغ إلى الغاية، وليس من شأن هذا المنهاج العادل أن يكلف صاحبه شططاً أو إسرافاً أو إرهاقاً للنفس، بل يدعوه إلى أداء واجبه في استقامة واستمرار واعتدال.

وقد ختم الله الآية بقوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: (تمثلون المأمورات وتجتنبون المنهيات، واتى بالتقوى هنا لان الصراط المستقيم جامع للتكاليف، وقد أمر بإتباعه ونهى عن الطرق المعوجة فناسب ذكر التقوى)(11).. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (هذه الآيات المحكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار)(12). ولذلك جعل الله من دعاء عباده الذين يناجون به ربهم كل يوم عدة مرات قوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) الفاتحة: ٦.

ومن هذا المنطلق، وبعد أن تقرر أن طريق الاستقامة هو طريق الأمة الوسط، فإن كل آية وردت في الاستقامة فهي آية في تحقيق الوسطية والدعوة إليها على المراد، وبياناً لهذا المنهج.

ويدعو الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم والذين أمنوا معه إلى هذه الاستقامة فيقول: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أمرتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(13)، أي ألزم الطريق الوسط المستقيم الذي لا عوج فيه ولا إعتساف، ألزمه بالثبات عليه واتقاء الاختلاف فيه أو التقاعس عنه، وليستقم معك كل من تاب من الشرك وآمن الله وحده، ولا تطغوا بتجاوز حدود الله، بل التزم بالنهج الوسط الذي لا غلو فيه، ولو كان التجاوز بالغلو في الدين، لأن الإفراط فيه كالتفريط، كل منهما زيغ عن الصراط السوي الوسط المستقيم.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما نزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد ولا اشق من هذه الآية)، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب، فقال: (شيبتني هود وأخواتها، وإن الذي شيبني منها: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أمرتَ))(14).

وجاء سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا اسأل عنه أحداً غيرك، فأجابه: (قل آمنتُ بالله ثم استقم)(15).

فبين صلى الله عليه وسلم بهذه الوصية الجامعة أن العبد إذا اعترف بالإيمان ظاهرا وباطنا، ثم استقام عليه قولا وعملا وفعلا وتركا، فقد كمل أمره، واستقام على الصراط المستقيم، ورجى له فلاح الدارين، وبعد هذا العرض الموجز لمفهوم الإيمان كما جاء في القرآن، ووضحته أحاديث سيد ولد عدنان، عليه أفضل الصلاة والسلام، يتضح لنا مفهوم الإيمان بعيدًا على من أنكره جملة كالملاحدة، أو انحرف في فهم حقيقته كالفلاسفة، أو حرفوه عن أصله كاليهود أو ضلوا عن تصور معانيه والوقوف على ماهيته كالنصارى، وبذلك يتضح لنا مفهوم الإيمان ووسطية واستقامة واعتدال القرآن في عرضه.

وابتعدت عن أقوال من وقع في البدع في حقيقة هذا الجانب من المعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية، واكتفيت بقول واعتقاد أهل السنة والجماعة الذين هم الصحابة -رضي الله عنهم- وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليه، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا إلى يومنا هذا ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم(16).

وهذه العبارة النبوية الوجيزة البليغة هي شعار المسلم الكامل، لأنها تستلزم تصحيحاً للعقيدة، وتدعيماً للإيمان، وتقويماً للنفس، وتمسكاً بالحق، واستقامة على الصراط، والتزاماً بالنهج الوسط، وثبات في العمل بلا انحراف أو اعتساف.

فقوله تعالى: (ولا تطغوا). بعد أن أمر بالاستقامة, والطغيان هو مجاوزة الحد(17)، وهو خروج عن منهج الوسطية إلى الانحراف عن السبيل.

وفي الآية الثانية: قال (ولا تتبع أهواءهم) وإتباع الهوى خروج عن الاستقامة، وانحراف عن منهج الوسطية.

وهكذا يتبين أن الأمة الإسلامية هي الأمة الوسط التي تمثل الصراط المستقيم بين السبل المتعرجة والملتوية، صراط الله الذي له ما في السماوات والأرض، صراط الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، لا صراط المغضوب عليهم ولا الضالين.

الهوامش

(1) التعريفات للجرجاني: 37.

(2) تهذيب مدارج السالكين: 2/528.

(3) المصدر نفسه: 2/529.

(4) جامع العلوم والحكم: 155.

(5) إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: 1/134.

(6) تفسير البحر المحيط: 1/421.

(7) في ظلال القرآن: 3/1234.

(8) في ظلال القران: 4/271.

(9) رواه أحمد: 1/435، والنسائي في التفسير، والحاكم: 2/318، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.

(10) الجامع لأحكام القرآن: 7/9.

(11) حاشية الصاوي على الجلالين: 2/53.

(12) تفسير الرازي: 14/3.

(13) سورة هود، الآية: 112.

(14) رواه الطبراني: 17/286، رقم (790). قال الهيثمي: 7/37: رجاله رجال الصحيح.

(15) رواه مسلم: 1/47. وأحمد: 3/413، والدارمي (2713)، والنسائي في الكبرى (4478).

(16) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل: /113.

(17) تفسير القرطبي: 9/107.

دحام إبراهيم الهسنياني
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

فقدت الأمة صديقا استراتيجيا

يوم 12. 07. 2026. رحل عن دنيانا صاحب السمو الأمير

من أمثال القرآن الكريم (1) .. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾

إنً الثبات على الإيمان من أعظم القيم التي أبرزها القرآن

هذه مساجد العراق

عندما تُذكر المساجد في العراق يسارع بعض المتربصين إلى استحضار

آخر المقالات

100%