آخر الأخبار

هذه مساجد العراق

شارك المقال على:

عندما تُذكر المساجد في العراق يسارع بعض المتربصين إلى استحضار صورٍ لا تعكس الحقيقة فيختزلون رسالتها في تصورات ضيقة، ويتجاهلون عمداً ما تنهض به من أدوار تربوية وإيمانية واجتماعية والتي تصنع الإنسان قبل أن تصنع المشهد، ويغفل هؤلاء دور المساجد على امتداد العراق التي تمارس أعظم مشروع لبناء الأجيال، بينما ينشغلون بتضخيم السلبيات ويتناسون مظاهر الانحدار الأخلاقي والسلوكي التي تتسع في فضاءات أخرى من المجتمع.

والمسجد في العراق هو مدرسة متكاملة لتربية النفوس وصناعة الشخصية وغرس القيم وإعداد جيل يحمل القرآن خلقاً وسلوكاً قبل أن يحمله حفظاً وتلاوة، وهذه الحقيقة تشهد بها المواقف اليومية التي يراها كل من يقترب من بيوت الله.

ومن هذه المشاهد – على سبيل المثال – أنني دخلت مع أحد أصدقائي من غير موعد مسبق إلى جامع محمود معروف في العاصمة بغداد لأداء صلاة المغرب، وما إن بدأت الصلاة حتى فوجئت بإمام لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وكان الفتى يقرأ القرآن بإتقان مميز وصوت رخيم يأسر القلوب وخشوع يفرض حضوره على كل من يقف خلفه، حتى تمنيت لو امتدت الصلاة أكثر من شدة جمال التلاوة وعذوبة الأداء.

وبعد انتهاء الصلاة بحثت عن هذا الفتى فوجدته يجلس إلى شيخ المسجد، وإذا بي ألتقي بصديقي فضيلة الشيخ يحيى عراك إمام المسجد الذي أعرفه منذ أكثر من عشرين عاماً – وكان ذلك اللقاء من غير ترتيب – وهناك تعرفت إلى الفتى (يامن) الذي ترك في نفوسنا أثراً لا يُنسى بحسن تلاوته ووقاره.

عندها تساءلت: أين الذين يهاجمون مساجدنا من هذه النماذج؟ وأين من يردد الاتهامات من هذا البناء التربوي الهادئ الذي يعيد إلى الأذهان صور الفتيان الذين ربّاهم رسول الله ﷺ حتى صاروا أعلاماً في الإيمان والدعوة؟ أما آن للمنصفين أن ينظروا إلى نوعية الإنسان الذي تخرجه مساجد العراق بدلاً من الاكتفاء بترديد الأحكام المسبقة؟

ولم يكن الفتى يامن حالة استثنائية، بل هو صورة من مشاريع تربوية واسعة تمتد في أنحاء العراق وتؤكد أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان وأن صناعة المستقبل المشرق تبدأ من المسجد.

ولعل من أبهى هذه الصور في زماننا ما تشهده مدينة الموصل الحدباء من خلال مبادرة فتيان الفجر “التي أطلقتها مؤسسة قيم، وهي تجربة تربوية تستحق أن تُكتب بماء الذهب، فقد تحولت صلاة الفجر إلى موعد يتسابق إليه الصغار، حتى ليخيّل للناظر أنه يشاهد ازدحام صلاة الجمعة لا صلاة الفجر.

لقد شملت المبادرة (504) مساجد في عموم مدينة الموصل، وشارك فيها حتى الآن (46138) فتىً ويشرف على تربيتهم ومتابعتهم (1900) مربٍّ وكادر تربوي، وما إن يرفع أذان الفجر حتى ترى شوارع المدينة تمتلئ بالأطفال والفتيان، ومن بينهم من لم يبلغ الحلم بعد ويتوجهون إلى المساجد في مشهد مهيب يبعث الأمل في النفوس، وكأن المدينة كلها تتحرك نحو بيوت الله.

إنها مشروع يصنع جيلاً يعرف قيمة الصلاة والانضباط والالتزام منذ نعومة أظفاره، ويؤكد أن نهضة الأمة وتمكينها لا ينطلقان من الشعارات وإنما يبدأان من سجدة صادقة وصلاة تؤدى في وقتها ونفوس تربت على مراقبة الله قبل مراقبة الناس.

وفي ميدان الدعوة أيضاً، تواصل المساجد أداء رسالتها في إعداد الكفاءات اليافعة التي تحمل همَّ البلاغ والدعوة إلى الله.

ففي مدينة المحاويل جنوب بغداد ومن جامع أهل البيت الكبير نبغ الفتى (محمد فوزي) وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره لكنه استطاع أن يلفت الأنظار كخطيب جمعة مفوّه بخطاب متزن وأسلوب مؤثر وقدرة واضحة على عرض الفكرة وإقامة الحجة في موضعها المناسب.

ولم يكن هذا التميز وليد اللحظة بل هو ثمرة رعاية تربوية متواصلة قام بها فضيلة الشيخ حسين العلواني الذي احتضن موهبته ووجهها وأخذ بيده حتى أصبح نموذجاً مشرفاً لشباب المساجد.

وقد اصطحبه الشيخ إلى مجلس علماء العراق في أول خطبة جمعة ألقاها حيث جرى تكريمه تقديراً لهذه البداية الواعدة، ولأنه اختار أن يكون جندياً في ميدان الدعوة إلى الله، وقد أصبح محمد واحداً من طلائع مشروع يدعون الى الخيرالذي يجوب المقاهي والأسواق والأندية ليلاً يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة في صورة تؤكد أن المسجد لا يكتفي بصناعة المصلين بل يصنع الدعاة وحملة الرسالة.

ومن غرب العراق تواصل محافظة الأنبار تقديم صورة أخرى من صور العطاء عبر مسابقة “أجيال القرآن” التي تقام للعام الرابع على التوالي في مساجد المحافظة وتشمل مختلف الأقضية والنواحي.

وقد بلغ عدد المشاركين في العام الماضي نحو (9000) متسابق أما هذا العام فقد تجاوزت الأعداد ذلك بكثير ولا تزال مراحل التصفيات مستمرة بما يعكس الإقبال المتزايد على كتاب الله والرغبة الصادقة لدى الناشئة في الارتباط بالقرآن الكريم.

إنه مشهد يبعث الطمأنينة في القلب؛ طوابير من الأطفال والفتيان ينتظرون دورهم في الاختبار يحملون المصاحف في قلوبهم ويملؤون بيوت الله، في زمن يشكو فيه كثيرون من ضياع القيم وضعف الانتماء، فتلك الصور وحدها كافية لتؤكد أن القرآن لا يزال يصنع الرجال وأن المساجد لا تزال تخرج جيلاً يعتز بدينه ويفخر به كل مسلم غيور.

هذه النماذج هي شواهد حية على مشاريع تربوية ممتدة تتبناها مساجد العراق في مختلف المحافظات بعيداً عن الضجيج الإعلامي وبعيداً عن عدسات الباحثين عن الإثارة، إنها جهود تبني الإنسان وتصوغ الوعي وتغرس الإيمان وتؤسس لمستقبل أكثر استقامة وثباتاً.

فإذا أراد أحد أن يعرف حقيقة مساجد العراق فلا ينظر إليها بعين الخصومة بل بعين الإنصاف، وليدخل أحدها في صلاة فجر أو أي وقت يشاء ليرى مجالس القرآن، أو حلقات العلم، أو النشاطات التربوية ثم ليحكم بعد ذلك.

وهنا سيدرك الخصوم ان هذه المساجد لا تبني جدراناً وإنما تبني رجالاً وتصنع أجيالاً وتحرس هوية الأمة وتغرس في النفوس الإيمان والخلق والمسؤولية وتلك هي الثروة الحقيقية التي تستحق أن تُحفظ وأن تُفخر بها الأجيال، فهذه هي مساجد العراق.

سعد الحلبوسي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

من أمثال القرآن الكريم (1) .. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾

إنً الثبات على الإيمان من أعظم القيم التي أبرزها القرآن

أمير الجماعة الإسلامية في باكستان يعزي في وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

بعث حافظ نعيم الرحمن،عضو مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

في الذكرى العاشرة للمحاولة الانقلابية.. القره داغي يؤكد الوقوف مع الشرعية

في الذكرى العاشرة لمحاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، نستحضر أن

آخر المقالات

100%