بيان بمناسبة حلول العام الهجري الجديد
الاتحاد يدعو أمته الإسلامية إلى تجديد عهدها مع الله تعالى وتحمل مسؤولياتها أمام قضايا الكبرى، والنهوض بها أمام التحديات الحسام
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه الكريم: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
بمناسبة حلول العام الهجري الجديد، يتقدم الاتحاد إلى عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بأصدق التهاني وأطيب الدعوات، سائلاً الله تعالى أن يجعله عام خير ورحمة وبركة، وأن يرفع فيه البلاء عن الأمة، ويجمع كلمتها على الحق والهدى، ويبدل خوفها أمنًا، وضعفها قوة، وفرقتها وحدة، وآلامها آمالًا مشرقة؛ إنه سبحانه القائل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6].
إن ذكرى الهجرة النبوية الشريفة ليست مجرد مناسبة تاريخية عابرة، بل هي محطة إيمانية كبرى تستلهم منها الأمة معاني الثبات على الحق، والتضحية في سبيل الرسالة، وحسن التوكل على الله، والأخذ بالأسباب، وبناء المجتمع على الإيمان، والعدل، والأخوة، والتراحم. فقد كانت الهجرة انتقالًا من الاستضعاف إلى التمكين، ومن المحنة إلى المنحة، ومن الضيق إلى سعة الأمل والعمل، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100].
ولقد مضى العام الفائت على أمتنا الإسلامية مثقلًا بالجراح والآلام، حيث شهدت الأمة مآسي دامية، واعتداءات متواصلة، وظلمًا واقعًا على شعوبها في أكثر من موطن، وفي مقدمتها ما يتعرض له أهلنا في فلسطين وغزة العزة ولبنان من قتل وتهجير وتجويع وحصار، إلى جانب ما تعانيه شعوب أخرى من حروب ونزاعات، وفقر، وتشريد، واستبداد. وهي أحداث تكشف حجم الابتلاء الذي تمر به الأمة، كما تكشف في الوقت نفسه الحاجة الملحة إلى وحدة الصف، ويقظة الضمير، ونصرة المظلوم، والقيام بالواجب الشرعي والإنساني تجاه قضايا الأمة الكبرى؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
ومع عِظَم الجراح، فإننا نستقبل هذا العام الجديد بروح المؤمن الواثق بوعد الله، المتفائل بمستقبل الأمة، المدرك أن الليل مهما طال فلابد أن يعقبه فجر، وأن المحن كثيرًا ما تكون مقدمات للصحوة والنهوض. فقد أظهرت أحداث العام الماضي أن في الأمة خيرًا كثيرًا، وأن ضميرها لا يزال حيًا، وأن شعوبها باتت أكثر وعيًا بقضاياها، وأشد تمسكًا بهويتها، وأكثر إدراكًا لحاجتها إلى الوحدة والعمل والبناء؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].
إن الأمة الإسلامية، بما تملكه من رصيد إيماني وحضاري، وبما فيها من علماء ومفكرين وشباب وطاقات حية، قادرة بإذن الله على تجاوز أزماتها واستعادة دورها الرسالي، متى صدقت النيات، وتوحدت الجهود، وتحملت المؤسسات والعلماء والدعاة والمصلحون مسؤولياتهم في التوجيه والإصلاح، ونشر الوعي، وترسيخ قيم العدل والرحمة والحرية والكرامة الإنسانية؛ فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
وفي هذه المناسبة المباركة، ندعو المسلمين جميعًا إلى جعل العام الهجري الجديد بداية لمراجعة صادقة مع الله تعالى، وتجديد للعهد مع القرآن والسنة، وإحياء لمعاني الأخوة والتكافل، والعمل الجاد في نصرة المستضعفين، وحماية الأسرة، وتربية الأجيال، وتعزيز وحدة الأمة، والارتقاء بمؤسساتها العلمية والدعوية والفكرية، حتى تكون أكثر تأثيرًا في واقع الناس وقضاياهم.
كما ندعو قادة العالم الإسلامي ومؤسساته وشعوبه إلى تحمل مسؤولياتهم التاريخية تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين والقدس والأقصى، والعمل على وقف الظلم، ورفع الحصار، وإغاثة المنكوبين، وصون كرامة الإنسان، وتقديم المصالح العليا للأمة على الخلافات الضيقة والحسابات الآنية؛ استجابة لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
نسأل الله تعالى أن يكون هذا العام عام فرج ونصر وتمكين، وأن يرحم شهداء الأمة، ويشفي جرحاها، ويفرج عن أسراها، ويرد المهجرين إلى ديارهم آمنين، وأن يجعل لأمتنا من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ومن كل بلاء عافية؛ إنه سبحانه القائل: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يوسف: 110].
وكل عام وأمتنا الإسلامية بخير، وعزة، ووحدة، وكرامة.
والحمد لله رب العالمين.
علي القره داغي
الرئيس
محمد علي الصلابي
الأمين العام