الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد
ليس في هذه الحياة شيء أعظم، ولا أسعد للنفس، والروح من الصلاة ، ويكفيها فضلا وشرفا، أنها الركن، أو العبادة الوحيدة التي فرضت في السماء، وذلك كما هو معلوم ليلة الإسراء، والمعراج، وكأن في ذلك رسالة قوية، لكل من يريد أن يرتقي ، ويسمو بروحه إلى العلياء ، بعيدا عن ضوضاء الأرض، وسفسافها، وعن أعباء الدنيا، ومتاعبها.
إن الصلاة تعتبر الوسيلة المثلى لتحقيق السعادة في أسمى معانيها، و الشعور بالأريحية في أرقى صورها، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:” وجعلت قرة عيني في الصلاة “[1] ، أي أجد سعادتي ، وراحتي ، وسروري في الصلاة ، وليس هناك شيء في هذه الحياة يحقق ذلك مثل ما تحققه الصلاة، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لبلال رضي الله عنه : ” يا بلال أقم الصلاة ، أرحنا بها “[2]، أي أن دخوله في الصلاة راحة له من تعب الدنيا، و مشاغلها.
يقول ابن القيم رحمة الله تعالى عليه : “ لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: جُعِلت قرة عيني في الصوم، ولا في الحج والعمرة؛ وإنما قال: (جُعِلت قرة عيني في الصلاة)، وتأمل قوله: (جُعِلت قرة عيني في الصلاة) ولم يقل: بالصلاة؛ إعلاما بأن عينه إنما تقر بدخوله فيها، كما تقر عين المُحب بملابسته محبوبه، وتقر عين الخائف بدخوله في محل أمنِه، فقرة العين بالدخول في الشيء أكمل وأتم من قرة العين به قبل الدخول، ولما جاء إلى راحة القلب من تعبه، قال: (يا بلال، أرحنا بالصلاة)؛ أي: أقمها؛ لنستريح بها من مقاساة الشواغل، كما يستريح التعبان إذا وصل إلى نُزله وقرَّ فيه.”[3]
وهنا يكمن الفرق بين من يصلي وشعاره ” أرحنا بها“، وآخر يصلي وشعاره ” أرحنا منها “، فالأول يجد لذته، ومتعته، وراحته في الصلاة، والثاني يرى الصلاة وكأنها تكليف يقف حائلا بينه وبين حوائجه المختلفة، فهو يصلي لأنه ورث ذلك عن آبائه وأجداده ، ودون أن يقف عند أحكام ، وأسرار عماد الدين، وشريعته العظمى، بل إنني أقول الصنف الأول يعبر عن إقامة الصلاة، والصنف الثاني يعبر عن أداء الصلاة وفقط، لذلك لم يستعمل القرآن الكريم أبدا صيغة ” أدوا الصلاة ” ، ويستعمل دائما صيغة :” أقيموا الصلاة ” ، كقوله تعالى :﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [ البقرة : 43] ، وكقوله أيضا : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ الروم : 31]، لذلك يقول ابن القيم رحمة الله تعالى عليه تعليقا أيضا عن حديث بلال رضي الله عنه السابق : ” وتأمل كيف قال: (أرحنا بها)، ولم يقل: أرحنا منها، كما يقول المتكلف بها الذي يفعلها تكلفا وغرما؛ فالفرق بين مَن كانت الصلاة لحوائجه قيدا، ولقلبه سجنا، ولنفسه عائقا، وبين مَن كانت الصلاة لقلبه نعيما، ولعينه قرة، ولحوائجه راحة، ولنفسه بستانا ولذة. “[4]
وقل لـ بلال العزم من قلبِ صادق….. أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا
توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً…… به تلق أبواب السماء الثمانيا
قم أطرب الدنيا بلال بنغمة ………قدسية تحيي بها الأسحارا
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه الآن، وبقوة : ماهي الوسائل التي تجعل الصلاة بهذه الصورة السامقة ؟ أو بتعبير آخر كيف أجعل من صلاتي سببا لسعادتي، ونجاتي في الدنيا ، والآخرة؟
هناك العديد من الوسائل التي ذكرها أهل العلم، ومن أهم هذه الوسائل مايلي :
- المحافظة على الصلاة جماعة في المسجد.
- ضرورة تعلم الطريقة الصحيحة للصلاة .
- الحرص على الذهاب إلى المسجد مبكرا.
- الخشوع ، و الصلاة بكل الجوارح خاصة القلب.
- صحبة الأخيار ، و المحافظين على الصلاة في السراء والضراء.
- تأمل ، وتدبر آيات القرآن الكريم.
- الدعاء ، واستحضار الوقوف بين يدي الله تعالى.
- الصلاة وكأنها آخر صلاة.
- الحرص على الكسب الحلال ، والابتعاد عن الفواحش، والمنكرات ما ظهر منها ، وما بطن.
وإنها الوسائل التي نراها وبوضوح في كلام حاتم الأصم رحمة الله تعالى عليه، عندما دخل عليه رجل فوجده يصلي صلاة يظهر عليها الخشوع، فأعجب بصلاته، وسأله، كيف تصلي يا حاتم؟ فقال حاتم الأصم: إذا أردت الصلاة قمت إلى الوضوء فأسبغت الوضوء، ثم جئت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، وأفعل الآتي :
– أجلس فيه حتى تجتمع جوارحي.
– ثم أقوم للصلاة فأجعل الكعبة بين عيني.
– وأجعل الصراط تحت قدمي.
– وأجعل الجنة عن يميني.
– وأجعل النار عن شمالي.
– وملك الموت من ورائي، والله ناظر إليّ ثم أكبر تكبيرا بتحقيق، وأقرأ بترتيل، وأركع بتواضع، وأسجد في خشوع، وأفعل ذلك في صلاتي كلها، ثم أتبعها الإخلاص، ثم أخرج من صلاتي لا أدري أقبلها الله مني أم لا؟[5]“
هكذا نريد أن تكون صلاتنا ، فهي الطريق إلى الله تعالى ، والمعراج إلى السماوات العلى، وبالتالي إلى السعادة الحقة في الدنيا، والآخرة ، لذلك يجب علينا أن نجتهد اجتهادا عظيما لكي نصل إلى هذا المستوى الرباني ،كما قال ثابت البناني رحمة الله تعالى عليه : ” كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة.“[6]
الهوامش
[1]أخرجه النسائي برقم 3939.
[2] أخرجه أبو داود برقم 4985.
[3] ابن القيم ، الكلام على مسألة السماع ، ص : 117 ومابعدها.
[4] المرجع السابق.
[5] ابن الجوزي، صفة الصفوة ، ج4 ، ص : 161.
[6] المرجع السابق، ج 3 ، ص : 186.
