هل بقي من هذه المعاني العظيمة شيء أم أن التخريب طال كل شيء ونال من كل قيمة واستباح كل مقدس؟
أسئلة تجعل الباحث حيران لا يعرف من أين يبدأ في ترميم الصورة وإعادة رسم الملامح، ولا من أين تبدأ طرق المعالجة بعد أن اتسع الخرق وأصيب الإنسان في إرادته فأضحى مشلولا بين الحياة والموت، يصدق عليه بيت الشعر الذي يقول:
أو مسلمون وأمة شلاء.؟…… لا ميتون ولا همو أحياء؟
نعرف أن الإجابة على سؤال الأزمة يختلف باختلاف ظروف كل فرد، ومن ثم فلا توجد أسباب موحدة لتلك الهجرات كلها، وإنما يمكن رغم اختلاف الأسباب أن يجمعها قاسم المعاناة في البلد الأصلي، وهذه المعاناة قد تكون مادية وقد تكون معنوية ومن ثم يبحث المرء عن مكان بديل يتنفس فيه وتنتهى فيه تلك المعاناة.
الهجرة العظيمة تضمنت الكثير من الأحداث والوقائع التي توضح خطة النبي ﷺ، وكيف أنه وهو المعصوم ﷺ ، لم يترك وسيلة من وسائل إنجاح الخطة ولا سببا من الأسباب إلا أخذ به.
فليأذن لنا القارئ الكريم أن نعرض الوقائع والأحداث كما روتها المصادر الموثقة.
أول المهاجرين إلى المدينة.
أول المهاجرين إلى المدينة هو أبو سلمة بن عبد الأسد، والثاني هو عامر بن ربيعة ومعه زوجته بنت أبى حشتمة أول امرأة قدمت المدينة.
بداية الخروج:
بداية الخروج من مكة كانت في 2 من ربيع الأول في العام الثالث عشر للبعثة الموافق 20 سبتمبر أيلول سنة 622 ميلادية.
عوامل الدفع والطرد من مكة.
1. الحصار الاقتصادي والاجتماعي الذي تعرض له المسلمون وفرض عليهم.
2. حرب الاضطهاد والتعذيب الجسدي والنفسي التى مورست ضد المسلمين في مكة وصادرت حريتهم في التعلم والتعبد معا.
3. حرب السخرية التى تناولت المسلمين بما فيهم رسول الله ﷺ
{وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (6) سورة الحجر
{إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاء لَضَالُّونَ} (29ـ 32) سورة المطففين
4. طبائع الاستبداد والجحود التي اتسم بها أهل مكة في تعاملهم مع المسلمين.
5. النفور والصدود الذي قوبلت به دعوة الإسلام وبخاصة من كبار كفار قريش وكبار أهل الطائف.
6. اشتداد الإيذاء وخلو الساحة من سند ومن مظلة الحماية البشرية لرسول الله ﷺ وبخاصة بعد موت خديجة وموت أبى طالب.
7. إصرار قريش على التخلص من رسول الله ﷺ وتصفيته جسديا كشأن الطغاة في كل زمان ضد خصومهم الأبرار الأحرار بعد قرار دار الندوة.
عوامل الجذب
1. انتشار الإسلام في المدينة وترحيب أهلها بالمهاجرين وقد ساعدت التركيبة الاجتماعية في المدينة على أن يجد الإسلام تربة خصبة وبيئة مهيأة.
2. رغبة رسول الله ﷺ أن يكون للإسلام دولة تتبنى دعوته وتنشر رسالته وتتحمل تبعات ذلك، وكان الأنصار هم أقرب الرجال وأقدرهم على تحمل تبعات الدين الجديد.
3. حرص الرسول ﷺ على أن تكون هناك أبوة سياسية للعقيدة الدينية، وأن يكون لدى كل مسلم مضطهد مستباح مأوى يأوي إليه ويطمئن فيه على سلامة دينه ويتمكن من ممارسة شعائره دون فتنة أو تهديد.
4. القدرة الهائلة التي أبداها أهل المدينة في التفاعل مع الدين الجديد والانتفاع بهداه والتفاني في سبيل حمايته ونشر دعوته.
أسباب الهجرة إلى الحبشة.
الهجرة إلى الحبشة هي أول هجرة في الإسلام، وكان من أهم أسبابها الاضطهاد والإيذاء وضراوة قريش في التعامل مع المسلمين، وعدم استطاعة الرسول حمايتهم والدفاع عنهم.
كان في مقدمة المهاجرين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وزوجته السيدة رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة وزوجته، والزبير بن العوام ومصعب بن عمير وعبد الرحمن بن عوف حتى وصل عددهم إلى أكثر من 80
رجلا وامرأة.
رسل قريش لطرد المسلمين من الحبشة واستعداء النجاشي عليهم هم:
عمرو بن العاص ، وعبد الله بن أبى ربيعة.
من دروس الهجرة النبوية الشريفة
المهام
1 – السرية التامة فلم يعلم بهجرة النبي أحد إلا من لهم دور محدد وصلة ماسة بها.
2 – استخدام الخبرة والنظر إلى الكفاءة وحدها حيث استعان الرسول صلى الله
عليه وسلم بخبرة عبد الله بن أريقط المشرك في معرفة طرق الصحراء ودروبها
3 – إصرار النبي ﷺ على أن يدفع ثمن راحلته وأبى أن يتطوع بها أبو بكر لأن البذل فى هذه الهجرة ضرب من العبادة ينبغي الحرص عليه وتستبعد فيه الإنابة.
4 – تحديد منطقة اللجوء واختيارها بالغار جنوبا فى اتجاه اليمن لتضليل المطاردين وتحديد الأشخاص الذين يتصلون بهم أثناء وجودهم بالغار ومهمة كل شخص.
5 – دقة وإحكام عملية الإمداد خلال فترة اللجوء إلى الغار حيث كان يأتي عبد الله بن أبى بكر للنبي بتقرير مفصل لما يدور داخل قريش وما تأتمر به وتريد فعله ويبلغ هذا التقرير ليلاً فكان هذا بمثابة جهاز الاستطلاع. فإذا عاد عبد الله إلى مكة في الصباح فإن عامر بن فهيرة يمشى خلفه بقطيع من أغنام أبى بكر ليمحو أثر الأقدام حتى لا تتعرف قريش على مكان الرسول وصاحبه، فكان عامر بن فهيرة يقوم بعملية التمويه فإذا جاء الليل عاد عبد الله بتقرير جديد وتكون مهمة عامر بن فهيرة أن يريح غنمه عند الغار فيخرج الرسول وصاحبه فيذبحان من الغنم ويشربان من ألبانها. فإذا أضفنا إلى ذلك ما كانت تقوم به أسماء بنت أبى بكر فإن ذلك يشكل ما يسمى في الحروب الحديثة بالإمداد الجيوسولوجي أو الإمداد والتموين.
شكر خاص وعميق
عزيزي القارئ في زمن “الريلز” وثقافة “الأوبر” توجب عليَّ أن أشهد لك بصبرك الجميل على قراءة مقال سؤال الأزمة عرضا وتوصيفا. وفى اللقاءات القادمة بمشيئة الله تعالى نستعرض مفهوم الهجرة عند العلماء وأنواعها كي يحدد كل منا من أي الأنواع هجرته، ثم نتدارس الهجرة كمنهج واستراتيجية لإدارة الأزمات تأملا وتحليلا ولنتذكر دائما أن ضيق المساحة الجغرافية ليس هو الأزمة ولا سبب المشكلة، فكما يقولون ” سم الخياط مع الأحباب ميدان” لكن المشكلة كلها في ضيق النفوس وضيق الصدور وضيق الأخلاق
وكما قال الشاعر عمرو بن أهتم السعدي.
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ….. ولكن أحلام الرجال تضيق.
كل عام وأنتم بخير.
