آخر الأخبار

رائدُ صناعة الأجيال قد ألقى عصا الترحال

شارك المقال على:

بقلم: شعيب الحسيني الندوي

في مقبرة التاريخ من المدافن ما لا يُحصى، حتى أصبح العثور عليها أو الوقوف عندها أمرًا متعذرًا. ففي كل قرن تبرز أسماء ثم لا تلبث أن تتوارى، وكثيرون يطرقون باب التاريخ ليحيوا فيه ويحاولون في ميدان الحياة أن يجعل لهم من بعدهم لسان صدق عليّا، غير أن قلم التاريخ يمضي عنهم كأنه لا يعرفهم.
والإنسان ما جاء إلى الدنيا إلا ليرحل عنها، فبأي شيء يعتصم من الرحيل؟ وإذا كان القبر هو المنزل الأخير، فكم يطول المقام في هذه الدار العابرة؟ وإذا كانت الأيام تطوي الجميع في دورانها، فمن ذا الذي يستطيع الإفلات من قبضتها؟
والوقت قصير وفوات الأوان قريب فمن ذا الذي يخلّد ذكره إلا من ضم الليل بالنهار لينال مبتغاه وينفع الخلق بعده ويحيى اسمه بإرثه.

فمن الناس من إذا غاب عن الدنيا واراه أهله التراب بقلوب يعتصرها الحزن وخطى مثقلة بالأسى، ومنهم من تتحول وفاته إلى مصاب أمة بأسرها، فتشعر الدنيا كلها أنها بحاجة إلى أن تتبادل العزاء فيه.
والحب الدفين في القلوب ومشاعر الصلة والارتباط تجاه الآخرين ليس وليد العلاقات الرسمية أو الروابط المؤسسية، وإنما هو ثمرة الإخلاص، وأثر الإحسان، وصدق المعاملة.

لقد كان رحيل شيخنا الجليل، وعمِّنا المكرم، وكبير الأسرة الحسينية، السيد سلمان الحسيني الندوي رحمه الله، حادثًا لا يمكن لقلم التاريخ أن يمر عليه مرور الكرام، أو يختصره في سطرين عابرين. فالحق أن شخصية بهذه السعة، وهذا العمق، وهذا التنوع في المواهب والخصال، لا يجود الزمان بمثلها إلا بعد أحقاب. فما أكثر ما تُقلب صفحات السير والتراجم حتى يقع البصر على رجل من هذا الطراز، وما أكثر ما تتعاقب السنون حتى يولد قائد يصنع عصره، وكأن الشمس تشرق صباحًا بعد صباح حتى إذا أعياها الشروق، أشرقت في الأرض شمس من الرجال.

وشخصية الشيخ الراحل كانت من الشمول والثراء بحيث لا يسهل استيعابها في مقال، بل ولا في كتاب كامل. وإنما أريد أن أقف عند جانبين من شخصيته، قد لا يكون كثير من الناس على علم بهما.

أما فصاحته، وقوة بيانه، وبراعته الخطابية، وقدرته الفائقة على الإفهام والإقناع، فهي أمور يعرفها القريب والبعيد، وإنما أريد الحديث عن جوانب أخرى قد تخفى على الكثير.

لقد كان الشيخ مثالًا نادرًا في الإخلاص لله، والزهد، والورع، ورقة القلب، واستحضار الآخرة. ولم يكن من الدنيا إلا بقدر ما يعينه على أداء رسالته، من غير أن تستولي على قلبه أو تشغله عن غايته. كان صاحب ذوق رفيع، غير أن زخارف الحياة لم تستطع أن تستميل قلبه، وكان واسع المعرفة بألوان الحضارة والمدنية، لكنه نشأ على البساطة، وعاش بها حتى آخر عمره. وعُرضت عليه مظاهر الجاه والعظمة، فأعرض عنها مختارًا، وآثر حياة الكد والتجرد.
وأشهد بالله، وأنا أحد أفراد الأسرة، أن عمَّنا الكريم قد جعل الدنيا تحت قدميه، فلم تستطع بكل مغرياتها أن تخدعه. وكأنه كان يردد بلسان حاله كلمة أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: «غُرِّي غيري».
لقد ظل يحتفظ بملابس مضى عليها ثلاثون أو أربعون عامًا، يلبسها، ويُرقعها بيده، ولم يكن يشتري شيئًا فاخرًا، بل إذا علم أن شيئًا أُهدي إليه يفوق الحاجة أو يبالغ في ثمنه، امتنع عن استعماله. وكان ينبه أهل بيته إلى اجتناب كل ما فيه إسراف أو تبذير، ويرى الانغماس في الترف واللهو انحرافًا عن روح الرسالة، ويبعث دائما على الكدح والجد والاجتهاد، ويؤثر الكفاح على الدعة، والتقشف على الترف، ورضى الله على رضى العباد، وأوتي من البصيرة الربانية والفراسة الإيمانية ما يحدس به المستقبل ويستنتج ما لا يسهل الإحاطة به.
وكان من كريم سجاياه أنه مع الكبير والصغير على حد سواء، بعيدًا عن التكلف والتصنع، قريبًا من الناس، حسن الإصغاء إليهم، يكره المبالغة، ويمنح كل إنسان حقه من الاهتمام.
وكان من أبرز خصاله عزة النفس أمام أصحاب السلطان، والاستغناء عن أهل الثراء، والبعد عن المداهنة، وكيف لا يكون كذلك، وهو تلميذ مدرسة الإمام أبي الحسن علي الحسني الندوي، وشيخ الحديث مولانا زكريا الكاندهلوي، والشيخ أحمد البرتابكرهي وغيرهم من أعلام التربية والدعوة؟ فمن أحرق سفينته في سبيل الحق، لا يمكن للدنيا أن تشتريه ولا لمغريات الحياة أن تخدعه، وشواهد ذلك أكثر من أن تُحصى.

أما الجانب الثاني، فهو براعته في صناعة الرجال، وتربية الأجيال، واكتشاف الطاقات. لقد كان كالحجر الكريم الذي يحول المعادن إلى جواهر، فما أكثر الرجال الذين تخرجوا على يديه، وانطلقوا في ميادين العلم والدعوة، حتى بلغوا مكانة مرموقة.
وذلك السيل الجارف من المحبة الذي شهدته الدنيا يوم وفاته، لم يكن إلا ثمرة خدمته الصادقة، وحبه العميق لتلامذته، وصفاء قلبه، وشفقته، وإحسانه إليهم. فقد كان كل واحد منهم يشعر أنه أقرب الناس إلى قلب شيخه.

وكم من شخص جاءه باحثًا عن فرصة للعمل، ففتح له الشيخ الأبواب كلها، حتى بلغ ما بلغ، دون أن ينتظر منه جزاءً أو شكورًا. ولم يكن يبخل على أحد بما يستطيع، بل كان يهيئ لكل صاحب هدف أسباب النجاح، وما زالت أسماء كثيرة تتردد في ذهني وأنا أكتب هذه الكلمات، ممن كانت بداياتهم مرتبطة بالشيخ، ثم صاروا اليوم من أهل المكانة والفضل وحصلوا الكثير والكثير من المنافع ارتباطا بالشيخ الرحيل رحمه الله.
لقد كان كريم النفس، يشارك الآخرين في مواطن الشهرة والنجاح، وربما قدّم غيره على أقرب الناس إليه، دون أن يمنّ بذلك أو يذكره، لقد تتلمذ على يديه آلاف الشباب من طلاب العلم حيث جلس مسند التدريس عقودا أربعة وزيادة والقدر الذي يشترك عند جميع طلابه الاحترام الفائق والتبجيل البالغ له لا لمكانته العلمية فحسب بل بالعلاقة الودية مع التلاميذ والتربية العملية لهم والإخلاص في تعليمهم والاجتهاد في تثقيفهم.
وكان يكره الجمود والكسل، ويشجع أصحاب المبادرات، ويقف معهم بكل ما يستطيع، وكان أنقى الناس صدرًا من الحسد والبغضاء والخصومات، ولم يكن يعرف طريق التقدم على حساب الآخرين، بل كان يمسك بأيدي المتأخرين ليدفعهم إلى الأمام، ولم تلوثه المناورات السياسية ولا الحسابات المصلحية.
ولهذا كله، أجمع الموافق والمخالف على تعظيمه، واعترف الجميع بجلال قدره، وشعر كل بيت بألم فقده، حتى أصبح الحزن عليه حزن أمة بأسرها.

رحم الله الشيخ السيد سلمان الحسيني الندوي رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته.

شعيب الحسيني الندوي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

الخلاف والتخلف وفق فقه ميزان الوحي والعقل.. طريق للنهوض ومعالجة الفرقة

تُظهر النظرة الفاحصة إلى أحوال العالم اليوم صورة شديدة الوضوح؛

حياتنا الاجتماعية.. بين العدل والإحسان

العدل قيمة جليلة متوافقة مع فطرة البشر، فالإنسان يرفض أن يتعرض

موسى عليه السلام ومكانته بين الأنبياء والمرسلين

د. علي محمد الصلابي عرضَ القرآن الكريم موكبَ الإيمان الجليل

آخر المقالات

100%