يعد الإمام الشاطبي أحد أبرز رموز الفكر الإسلامي الوسطي في التشريع الإسلامي، فهو الذي استطاع أن يخرج بالفكر التشريعي الإسلامي من الجمود والضمور إلى حيز الفعالية والوجود، باعتباره عاملا من عوامل النهضة، وسبيلاً من سبل التنظير الاجتماعي والحضاري، فقاوم بشدة التقليد مؤكداً على أهمية دور العقل في الاستنباط، واستطاع أن يبتكر منهجاً على درجة كبيرة من الإبداع والتجديد في النظر إلى الشريعة الإسلامية يقوم على مراعاة مقاصد الشرع والتوسط بين مباني الألفاظ ودلالاتها ومعانيها، فكان لزاماً على كل من يتصدر للفتوى أن يتحرر من الأحكام المسبقة وأن يتعامل مع النازلة بطريقة عقلية رشيدة توفق بين الدلالة اللفظية ومقاصد الشرع ومآلاته، وبمنهج وسطي معتدل، تلك هي رسالة الإمام الشاطبي في الاجتهاد والإفتاء.
ولمـا كانت الشريعة تتميّز بالوسطية واليسر اتخـذ الإمام الشاطبي منهجا وسطا بعيدا عن تنطّـع المغالين والمتشـددين، ومتجافياً عن تساهل المتساهلين، ويقرر رحمه الله أن من خـرج عن الوسط هو مـذموم عند الراسخين في العلم، ثم استدل بأحاديث نبوية نهى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عن التشـدد والحرج، ثم ختم كلامه قائلا: (لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب التعنت والحرج بُغِضَ إليه الدين، وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة… وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة، والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، واتباع الهوى مهلك)(1).
وفي هذا البحث اعتمدت على كتاب الموافقات في أصول الفقه للإمام الشاطبي، هذا الكتاب القيم الذي لا يستغني عنه طالب علم، والذي قال عنه الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: (ولقد بنى الإمام الشاطبي حقا بهذا التأليف (الموافقات) هرما شامخا للثقافة الإسلامية، استطاع أن يشرف منه على مسالك وطرق لتحقيق خلود الدين وعصمته، قلَّ من اهتدى إليها قبله؛ فأصبح الخائضون في معاني الشريعة وأسرارها عالة عليه، وظهرت مزية كتابه ظهورا عجيبا في قرننا الحاضر والقرن قبله؛ لما أشكلت على العالم الإسلامي عند نهضته من كبوته أوجه الجمع بين أحكام الدين ومستجدات الحياة العصرية، فكان كتاب: الموافقات، للشاطبي هو المفزع وإليه المرجع لتصوير ما يقتضيه الدين من استجلاب المصالح، وتفصيل طرق الملاءمة بين حقيقة الدين الخالدة وصور الحياة المختلفة)(2).
التعريف بالإمام الشاطبي ومكانته العملية
هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي(3)، وكان الإمام الشاطبي شغوفاً بالعلم طالباً له من أهله، باحثاً عن كنوزه كاشفاً لأسراره، حيث جمع أصول العلوم الشرعية. لازم الشاطبي ابن الفخار البيري إلى أن مات، وأخذ عن كبار أئمة زمانه منهم: أبو عبد الله المقري الكبير، ومفتي غرناطة الشيخ الشهير أبو سعيد فرج بن قاسم بن لب التغلبي، وابن مرزوق الجد، والمحقق الأصولي أبو علي منصور ابن محمَّد الزواوي، والإمام المحقق أعلم أهل وقته الشريف التلمساني، والحافظ الفقيه أبو العبَّاس القبَّاب، وكانت له مناظرات وأبحاث قيِّمة في مشكلات المسائل مع كبار أئمة عصره، أظهرت قوة عارضته وإمامته، منها: مسألة «مراعاة الخلاف في المذهب»(4)، له فيها بحثٌ جليل مع الإمامين القباب وابن عرفة.
لقد تميز الشاطبي بمنزلة عالية رفيعة بين علماء الشريعة الإسلامية، فتمهر على يديه الكثير من العلماء الذين خرًّجوا الكثير من العلماء، فكان الشاطبي، نجماً ساطعاً بين علماء عصره، حيث ارتقى الشاطبي، مرتبة العلماء الذين خلد التاريخ ذكرهم، فهم الذين أثْرَوا المكتبة الإسلامية بالفكر الذي تستند الأمة عليه، قال عنه صاحب «النيل»: (الإمام العلَّامة المحقِّق، القدوة الحافظ الجليل المجتهد، كان أصوليًّا مفسِّرًا فقيهًا محدِّثًا، لغويًّا بيانيًّا، نظَّارًا ثبتًا، ورعًا صالحًا زاهدًا، سُنِّيًّا إمامًا مطلقًا، بحَّاثًا مدقِّقًا جَدَليًّا، بارعًا في العلوم، من أفراد العلماء المحقِّقين الأثبات، وأكابر الأئمة المتقنين الثقات، له القدم الراسخ، والإمامة العظمى في الفنون فقهًا وأصولًا وتفسيرًا وحديثًا وعربيةً وغيرها)(5).
للشاطبي تآليف نافعة ومهمة، وتعد مؤلفات العلامة الشاطبي من أهم ما يحتاجه طلبة العلم رعاية للنص لفظا ومعنى. منها:
الموافقات في أصول الفقه، وقد وصف أحمد التنبكتي كتاب «الموافقات» بأنه: جليل القدر جدًا، لا نظير له. يدل على إمامة الشاطبي وبُعد شأوه في العلوم، سيما علم الأصول.
والاعتصام في إنكار البدع، والإفادات والإنشادات، وعنوان الاتفاق في علم الاشتقاق، وشرح كتاب البيوع من البخاري، له فتاوى كثيرة ومهمة، توفي رحمه الله في غرناطة سنة ٧٩٠ﻫ(6).
مفهوم الوسطية عند الإمام الشاطبي
في معرض التعريف بمفهوم الوسطية يقول الإمام الشاطبي: (والتوسط يعرف بالشرع، وقد يعرف بالعوائد وما يشهد به معظم العقلاء كما في الإسراف والإقتار في النفقات)(7). فهو عندما يجعل الحق مع التوسط يعرف التوسط بأنه ما دل عليه الشرع، أو قُل ما دل عليه الشرع فهو التوسط أو الوسط. أما قوله: “وما يشهد به معظم العقلاء” فقد جعل ذلك في الأمور التي جعل الشرع الفصل فيها للعرف أو لأهل المعرفة والخبرة كمهر المثل وأجر المثل ونفقة المثل. وكتعريف الغني والفقير والبطر والتقتير فإن هذه الأمور كلها إضافية(8).
وكان التطرق إلى مصطلح الوسطية بمصدرها الوسط، كخصوصية لإثبات عدالة الصحابة رضي الله عنهم، وهناك من اعتبرهم الأحق بالآية الأمة الوسط، وقد تطرق إلى هذه المسألة الإمام الشاطبي، وبين أن ما صار إليه الجمهور من أصحابنا أن الرواة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار معدلون بنص الكتاب وهم مقرون على العدالة.
ونقل عن الإمام الشاطبي: أن الذي عليه سلف الأمة وجماهير الخلف أن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله سبحانه وتعالى لهم، فقال رحمه الله: (… سنة الصحابة رضي الله عنهم سنة يعمل عليها ويرجع إليها، ومن الدليل على ذلك أمور: أحدها: ثناء الله عليهم من غير مثنوية، ومدحهم بالعدالة وما يرجع إليها؛ كقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(9)، وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(10)، ففي الأولى إثبات الأفضلية على سائر الأمم، وذلك يقضي باستقامتهم في كل حال، وجريان أحوالهم على الموافقة دون المخالفة، وفي الثانية إثبات العدالة مطلقًا..)(11).
ونهـجُ الإمام الشاطبي التيسير والتخفيف في إفتائه لم يكن اعتباطا، وإنما هو اتجاه إلى التوسعة على الناس فيما لا يصادم نصا ثابتا محكما، ولا قاعدة شرعية فهو يسير مع النصوص والقواعد العامة الموافقة لروح الإسلام ومقاصده.
ثبت أن التوسط هو الموافق لقصد الشارع، وهو نهج السلف الصالح، فعلى المقلد أن يختار المذهب الذي يكون على هذا الطريق، وإن كانت كل المذاهب طرقا إلى الله تعالى، فإن الإمام الشاطبي يؤكد على ضرورة ترجيح أحدها؛ لأنه أبعد عن اتباع الهوى، وأقرب إلى مراعاة قصد الشارع خاصة في مسائل الاجتهاد(12).
إن الإمام الشاطبي نشأ مالكيا وأصبح من أكابر علماء المذهب المتأخرين، فبلغ درجة الاجتهاد في المذهب إلى التحقيق بالعلوم. وهو المعوّل على فتاويه في الحـلال والحرام؛ لذلك كانت متابعته دقيقة في فهم معاني النصوص الشرعية والعمل بها على ضوء المقاصد.
وضع الإمام الشاطبي منهجا حكيما للأخـذ بالدليل سواء كان نصا أم أثرا أم معقـولا، ويظهر من منهجه العناية الوافية بالـدليل، والأخـذ به وفـق الطـرق الصحيحة التي سلكها سلف الأمة لتحقيق الأحكام الشرعية، ومقاصدها عن طريق الدليل الشـرعي، حيث إن الشـريعة شاملة لجميع الأحكـام فلا يتـوصل إليها إلاّ بأدلة شـرعية و ما يتوصل إليه بهذه الأدلة فهو شرعي، وكل دليل شرعي صحيح يوافق المعقول الصحيح.
تميّز الإمام بحـرية فكره فقد بذل قصارى جهده؛ لإبراز هذه الميزة في فتاويه فكسر بذلك التقليد والجمـود الفكري، و اتّجه إلى النظر في النصــوص و الأخذ بها و تطبيقها في واقــع الحياة، فلم يقصر العلم على ما عرفه من أئمة المــذهب وأعلامه؛ بل كان يستشهد بآراء أئــمة من خارج المـذهب كالإمام الغزالي…
كما اتّسم منهجه بالتيسير ورفع الحرج مراعـاةً للمصالح، وهذا التصوّر لمنهج التشريع ربما لا يخفى من حيث المبدأ على من له إلمام بسيط بعلوم الشرع، فالإمام الشاطبي بملكته الإدراكية للنصوص الشرعية ومقاصد الشريعة استطاع أن يخرج بآراء تتفق والأهــداف العامة للتشريع القاضية بأداء كل ما طلبه الشــارع والامتناع عما نهى عنه بالقسط و اليسر دون شطط ولا ظلم. وهذا التيسير والعدل في مفهوم الإمام الشاطبي لا يعني تغليب هـذا الجانب على الجوانب الأخرى التي يتطلب الأمر فيها التزام الحذر والشدة أحيانا كما إذا كان الأمر يتعلق بالابتداع في العقائد والعبادات…؛ بل المراد أن يكون التيسير بالقدر الذي لا يفضي إلى انخرام مقاصد الشريعة؛ وإلاّ لزم ارتفاع جميع التكاليف أو أكثرها. فهذا هو الطريق الوسط الذي جاءت به الشريعة.
تميّز منهجه في غالب فتاويه بالإسهاب والاستطراد بقصــد البيان والتوضيح وإظهار الحق، ومتى كان ذلك هو المقصود، فالإمام الشاطبي لا يحسن عنده تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأحيانا يختصر الكلام في مسألة ما، لعدم مناسبة المقام أو لاشتهار الجواب عنها وهكذا…
الوسطية عند الإمام الشاطبي قائم على فقه الواقع
يعد العلامة الإمام الشاطبي من القلائل الذين برعوا وأبدعوا في مقاصد الشريعة تأصيلا وتفريعا وتجديدا وصياغة، في لحظة تاريخية عصيبة كانت تعصف بالأمة هجمات الخارج ويهددها الجمود الفكري والتقليد المذهبي الأعمى، وكانت الأمة بحاجة ماسة للتجديد العلمي والمعرفي من أهله الراسخين، ومنهم الإمام الشاطبي المالكي الأندلسي، وكأنما كانت لحظة ظهوره ميلادا جديداً، وخاصة في علم أصول الفقه والمقاصد تحديداً، وفي هذه اللحظات التاريخية من عمر الأمة المسلمة تكثر الحاجة لمعرفة الأصول الضابطة للتفكير المنهجي، والنظر العلمي المنضبط، والقائم على الاتباع الواعي والتجديد الراشد.
إن منهج الوسطية في فكر الشاطبي فسره الشيخ محمد فاضل بن عاشور بقوله: إن الشاطبي لما شاهد المجتمع الإسلامي من انحلال نهضت في نفسه همة الإصلاح، لكنه بقي حائراً في اختيار المنهج الذي يتوخاه في إصلاحه، وكانت حركة بين مذهبين: مذهب يفصل الفكر عن العمل، ومذهب يتجه إلى الباطن ويعرض عن الفكر والواقع معا، فاتجه إلى منهج يجمع بين النظر والعمل ويصلح الظاهر والباطن، فكانت الشريعة بمقاصدها منطلقه إلى الإصلاح، إصلاح ميولات النفس وجنوحها إلى ما لا يحل، وإرسالها بمقدار الاعتدال فيما يحل. والسماحة واليسر ورفع الحرج هي المقصد الأعظم للشريعة الإسلامية، يؤخذ ذلك من كثرة النصوص الواردة بهذا المعنى، والسماحة مرتبطة بالفطرة الإنسانية، وهي الطبع الذي خلق الله عليه الإنسان، والفطرة تأبى الشدة والعنت، وتجنح إلى اليسر والرفق، والدين الحق، دين الفطرة، هو التزام بمنهج الوسطية التي لا تقوم مصلحة الناس إلا عليها، والخروج عنها إلى أحد الطرفين من الشدة واللين يعد خروجا عن قصد الشارع، فالمعتبر في هذا المعنى أن الشريعة تسير على طريق وسط لا انحراف فيه ولا ميل ولا إفراط ولا تفريط، وذلك هو الصراط المستقيم الذي جاء به الإسلام. ولكن كيف يحقق الشارع الحكيم مصالح الخلق بهذه الوسطية؟ يشبه الشاطبي المفتي بالطبيب الماهر الذي يعطي الغذاء ابتداء على ما يقتضيه الاعتدال في توافق مزاج المغتذي مع مزاج الغذاء، ويخبر من سأله عن بعض المأكولات التي يجهلها المغتذي؛ أهو غذاء أم سم، أم غير ذلك؟ فإذا أصابته علة بانحراف بعض الأخلاط، قابله في معالجته على مقتضى انحرافه في الجانب الآخر، ليرجع إلى الاعتدال وهو المزاج الأصلي والصحة المطلوبة، وهذا غاية الرفق، وغاية الإحسان والإنعام من الله سبحانه وتعالى(13).
فقه الإمام الشاطبي فقه واقعي قائم على اعتبار الواقع، وحل مشاكله ونزاعاته في ظل التشريع الإسلامي، وقد ساهم هذا في القضاء على ظاهرة الفقه الفرضي الذي ناءت بأعبائه الكتب – بل استنزفت الجهد والوقت معا – وكان بابا لتلك القيود والآصار والشواذ والنوادر في المسائل التي أثّرت في الفقه سلبا وأقصته عن حياة الناس الواقعية، بطاقاتها وحدود إنسانيتها؛ لذلك يجب على المفتي أن تكون علاقته بالمجتمع الذي يعيشه علاقة وطيدة حتى تكون آراؤه آراء عالم خبير بأحوال النفوس دارسا لها، متعمّقا في فهمها، فاحصا لأحوال عصره، عارفا بظروفه؛ لأنّ آراءه وفتاويه هي مواقف يسترشد بها المجتمع في سعيه للتغيير، فلا يقتصــر ضررها على الفــرد بل يتجــاوزه إلى الأمة.
فمعـايشة الإمام الشاطبي لـواقع مجتمعه حفزته للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وردّ البدع ومحاربها؛ وهذا من أولويات جهاده و ذوده عن السنة الصحيحة.
ولما كان المفتي خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدوة للناس وجب عليه أن يسلك منهجا وسطا فلا يميل بمن جاءه مستفتيا كل الميل إلى الانحلال ولا إلى الشدة كي لا يخرج عن قصد الشارع في التكليف، إذ لا تكليف إلاّ بمستطاع، والدليل على صحة هذا، ما قاله الإمام الشاطبي: (أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مـر أن مقصد الشـارع من المكلف الحمل على التـوسط من غير إفراط ولا تفـريط)(14).
فالمستفتي إذا حُمّل من التكليف ما لا تطيقه نفسه، وقع في الحرج والضيق فيبغض الدين وينقطع عن العبادة، أما إذا ذُهب به مذهب الانحلال، كان ذلك مظنة اتباع الهوى، وإنما الشرع جاء للنهي عنه.
ونبّه المفتي – إذا كان ممن يكلف نفسه فوق الوسط – بأن يخفي ذلك؛ حتى لا يقتدي به من لا طاقة لـه بذلك العمل فينقطع عنه نهائيا، وإذا ظهر للناس عمله نبّه عليه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فقد فاق الناس عبادة وخلقاً(15)، ولكنه كان ينهى عن الوصال وعن أمـور أخـرى كانت خاصة به، يقول الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ)(16).
وحذّر من تتبع رخص المذاهب واعتبر ذلك من المفاسد(17)، لأنه ميل مع أهواء النفوس يؤدي إلى الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الـهــوى(18).
إن الفقه الحق لا بد أن يكون واقعياً، يعرف الواقع ولا يجهله، يلتفت إليه ولا يلتفت عنه، يُعمله ولا يهمله، يبني عليه ولا يبني في فراغ. ويتم ذلك بتحقيق المناط: ولقد ذهب الإمام الشاطبي في تحقيق المناط مذهباً فذاً وارتقى به مرتقى صعباً، وهو الذي سماه (تحقيق المناط الخاص)، وهو الذي لا يكتفي المجتهد فيه بتحقيق المناط بصفة عامة وإجمالية، وتنزيل الأحكام والتكاليف على من هم داخلون تحت عموم مقتضياتها، وإنما ينظر في الحالات الفردية ويقدر خصوصياتها وما يليق بها ويصلح لها في خصوصياتها تلك. فإذا كان تحقيق المناط العام يقتضي معرفة الواقع في عمومه، ومعرفة الحالات في إجمالها، فإن تحقيق المناط الخاص يقتضي معرفة الواقع الخاص ومقدار خصوصيته وما تستوجبه تلك الخصوصية في ميزان الشرع.
ولقد اتسم نظر الإمام الشاطبي وبحثه في المقاصد بالدقة والعمق، وقوة الاستدلال، وتحري ما وراءه عمل، مع التفرد والسبق إلى عشرات القواعد الكلية التي لم تُسْبَق إليها، مما يعد فتحاً جديداً في علم الأصول.
لذا كان من أعظم خصال الإمام الشاطبي التي صبغت في المقاصد أنه كان قاصداً فيما يقرره، متلمساً سبيل الأولين، فلم تأخذه أبهة التجديد إلى الخروج عن حد الاعتدال والتوسط، وهذا من أكبر الآيات على قوة نفسه وعظيم إخلاصه وشدة تواضعه.
فهو يرحمه الله نجده يُبدي ويعيد في هذه القضية، ويلح على ضرورة الجمع في النظر بين جزئيات الشريعة وكلياتها وأن “من أخذ بالجرائي معرضاً عن كلية فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي معرضاً عن جزئية”(19).
ولذلك فشأن الراسخين، تصدر الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضاً، كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة.. فكان العضو الواحد يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكماً حقيقياً فمتبعه متبع متشابه(20).
ويقول الإمام الشاطبي واصفا العمل الاجتهادي في تنـزيل الحكم على ما يليق به من الأفعال بحسب الحالات: (هو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت، وحال دون حال، وشخص دون شخص؛ إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وازن واحد كما أنها في العلوم والصنائع كذلك… فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت إدراكها وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها. ويعرف التفاتها إلى الخطوط العاجلة أو عدم التفاتها، فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف”. وعنه كذلك أنه “لا يصلح للعالم إذا سئل عن أمر كيف يحصل في الواقع إلا أنه يجيب بحسب الواقع، فإن أجاب على غير ذلك أخطأ في عدم اعتبار المناط المسؤول عن حكمه، لأنه سئل عن مناط معين فأجاب عن مناط غير معين)(21).
وبهذا يعد الإمام الشاطبي من رموز التجديد التي أبلت بلاء حسنا في ميدان التنوير الإسلامي وتجديد المنهج العلمي والفكر الفقهي عند المسلمين، وأضافت للفكر الإسلامي لبنة مهمة في البناء المنهجي، أعادت الوصل بين المعقول والمنقول، وجددت الاتصال بين الفروع والأصول، وأفصحت عن سبيل الاتساق بين جزئيات الشريعة وكلياتها، ونقلت التصنيف في الأصول والقواعد ومقاصد الشريعة نقلة نوعية بارزة.
الهوامش
(1) الإمام الشاطبي يمثل نقلة نوعية في منهجية علم أصول الفقه والشريعة الإسلامية، مركز الاتحاد للأخبار، وانظر الموافقات تحقيق عبد الله دراز: 4/189.
(2) أعلام الفكر وأركان النهضة بالمغرب العربي: 81.
(3) نسبة إلى «شاطبة» Jativa، مدينة قديمة في شرقي الأندلس وقرطبة كانت مركزًا لصناعة الورق في العهد الإسلامي.
(4) وقاعدة مراعاة الخلاف هي: عبارة عن إعمال المجتهد لدليل خصمه المخالف في لازم مدلوله الذي أُعْمِلَ في نقيضه دليلٌ آخرُ.
(5) نيل الابتهاج للتنبكتي: ٤٦.
(6) انظر ترجمته في: نيل الابتهاج للتنبكتي: ٤٦، ولقط الفرائد للمكناسي: ٢٢٥، والفكر السامي للحجوي: ٤/ ٢٤٨.
(7) الموافقات، الإمام الشاطبي: 2/114.
(8) المقاصد عند الإمام الشاطبي دراسة أصولية فقهية. محمود عبد الهادي فاعور. الطبعة الأولى. 1427هـ – 2006م. بسيوني للطباعة. صيدا، لبنان.
(9) سورة آل عمران، الآية: 110.
(10) سورة البقرة، الآية: 143.
(11) الموافقات: 4/259.
(12) الموافقات: 4/191.
(13) موقع: https://www.alittihad.ae/
(14) الموافقات: 4/188.
(15) المصدر نفسه: 4/190.
(16) سورة الحجرات، الآية: 7.
(17) المصدر نفسه: 4/106.
(18) الموافقات: 4/105.
(19) الموافقات في أصول الشريعة تحقيق عبد الله دراز: 3/5.
(20) تصدير الدكتور أحمد الربسوني لكتاب قواعد المقاصد عند الإمام الشاطبي لـ د. عبد الرحمن الكيلاني، 1421هـ – 2000م، دار الفكر، دمشق، سورية من سلسلة إصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي رقم (35)،ص 9-10.
(21) الموافقات: 3/83-84.
