حين يؤرخ للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، يبرز اسم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في طليعة مسيرته التأسيسية، إذ ارتبطت نشأة الاتحاد برؤيته إلى ضرورة جمع علماء الأمة في إطار مؤسسي عالمي، ينقل العمل العلمائي من الجهود الفردية المتفرقة إلى التعاون المنظم والجامع.
وقد جاءت تجربة الاتحاد امتدادا لمسيرته الطويلة في العلم والفقه والدعوة والعمل المؤسسي، فمن خلال خبرته الواسعة ومشاركاته العلمية وصلاته بعلماء الأمة ومفكريها ودعاتها، أدرك أن التحديات التي تواجه المسلمين تستدعي إطارا عالميا مستقلا، يجمع العلماء، ويقرب بينهم، وينسق جهودهم، ويوحد حضورهم في قضايا الأمة الكبرى.
من فكرة جمع العلماء إلى ميلاد الاتحاد:
لم تولد فكرة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من فراغ، وإنما انبثقت من حاجة متنامية إلى مرجعية علمائية جماعية تتجاوز الحدود القطرية والانقسامات الجغرافية. فقد شهد العالم الإسلامي تحولات فكرية وسياسية واجتماعية متسارعة، واستجدت نوازل، وتشعبت قضايا الاقتصاد والسياسة والمجتمع والأسرة والإعلام والعلاقات الدولية، حتى غدا تناول كثير منها متعذرا بمعزل عن الاجتهاد الجماعي، والتخصص الدقيق، والفهم العميق للواقع.
وكان الشيخ يوسف القرضاوي في طليعة العلماء الذين نادوا بأهمية العمل الجماعي في ميادين الفقه والدعوة والإصلاح، ورأوا أن العالم المعاصر بحاجة إلى مؤسسات تجمع العلماء وأهل الاختصاص لتتكامل المعرفة الشرعية مع الخبرة الواقعية، وينتقل حضور العلماء من مبادرات فردية متناثرة إلى قوة علمية منظمة.
ومن رحم هذه الرؤية برز الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فتأسس سنة 2004م، وانتخب الشيخ يوسف القرضاوي رئيسا له، فكان أول رئيس للاتحاد، وقاد مرحلته التأسيسية بما امتلكه من مكانة علمية، وخبرة مؤسسية، وصلات واسعة بعلماء العالم الإسلامي.
القرضاوي وبناء الهوية الفكرية للاتحاد:
لم يكن التحدي الأول أمام الاتحاد مجرد إقامة هيكل إداري أو جمع طائفة من العلماء تحت مظلة واحدة، بل كان التحدي الأعمق رسم هويته الفكرية والمنهجية، وتحديد طبيعة رسالته والمنهج الذي يحكم مواقفه مع المحافظة على وحدته في ظل ما يضمه من علماء ينتمون إلى بلدان ومدارس واتجاهات متعددة. وهنا تجلى أثر المشروع الفكري للقرضاوي، فقد كانت الوسطية والاعتدال والتجديد والاجتهاد والمقاصد وفقه الأولويات وفقه الموازنات، والجمع بين الأصالة والمعاصرة من أبرز المفاهيم التي شغلت مسيرته العلمية.
وكان يرى أن التجديد الصحيح لا يعني تجاوز النصوص أو الذوبان في ثقافة العصر، كما أن الوفاء للأصالة لا يعني الجمود على صور تاريخية أو الانغلاق عن الواقع. ومن ثم سعى إلى ترسيخ منهج يجمع بين الثبات على الأصول الشرعية والقدرة على التعامل مع المتغيرات، وبين الإفادة من التراث واستيعاب أسئلة الحاضر. وبذلك اكتسب الاتحاد ملامح فكرية واضحة، وغدت الوسطية بمفهومها العلمي والحضاري سمة بارزة في خطابه.
الاتحاد بوصفه بيتا لعلماء الأمة:
كان من الأفكار التي أكدها الشيخ القرضاوي أن الاتحاد لا ينبغي أن يكون إطارا مغلقا على مدرسة فقهية بعينها، أو بلد معين، أو قومية محددة، وإنما فضاء رحبا لعلماء المسلمين في أنحاء العالم. فالأمة الإسلامية متعددة الشعوب واللغات والمدارس الفقهية والتجارب الثقافية، وليس هذا التنوع مدعاة للتنازع، بل يمكن أن يكون منبعا للثراء العلمي والفكري. ومن هنا اتجه المشروع منذ بداياته إلى تجاوز الحدود الجغرافية، وإشراك علماء من العالم العربي وآسيا وإفريقيا وأوروبا وغيرها، بما يجسد عالمية الأمة ورسالة الإسلام.
وقد أتاحت للشيخ القرضاوي شبكة علاقاته العلمية والدعوية الواسعة التواصل مع علماء من بيئات متعددة، فأسهم ذلك في إكساب الاتحاد منذ نشأته بعدا دوليا يتجاوز النطاق المحلي والإقليمي.
الاستقلالية ومكانة العالم:
احتلت استقلالية العالم مكانة مركزية في رؤية الشيخ القرضاوي لمؤسسة العلماء، فقد كان يدرك أن العالم لا يستطيع النهوض برسالته الإصلاحية إذا فقد قدرته على التعبير عن اجتهاده العلمي بحرية ومسؤولية، أو تحول إلى تابع لمصالح ضيقة. ومن هنا ارتبط مشروع الاتحاد بفكرة بناء مؤسسة علمائية ذات شخصية مستقلة، تستمد مواقفها من المرجعية الإسلامية ومن تقدير علمائها للواقع ومصالح الأمة. ولم تكن الاستقلالية في هذا السياق تعني الانعزال عن الدول والمجتمعات والمؤسسات، وإنما صيانة المكانة العلمية والأخلاقية للعالم ليظل قادرا على النصح والتوجيه وبيان ما يراه حقا وفق أصول العلم ومقتضيات المسؤولية الشرعية.
وكان الشيخ القرضاوي ينظر إلى العلماء بوصفهم ورثة الأنبياء، ومن ثم لم تكن وظيفتهم عنده محصورة في التعليم الأكاديمي، بل تمتد إلى البيان والإرشاد والإصلاح والنصح وحماية الوعي العام للأمة.
ترسيخ ثقافة الاجتهاد الجماعي:
ومن أبرز المعاني التي أسهم الشيخ القرضاوي في ترسيخها داخل المشروع الفكري للاتحاد ثقافة الاجتهاد الجماعي، إذ كان يرى أن العصر الحديث تتشابك فيه العلوم والمصالح والقضايا، حتى إن الفقيه مهما بلغ من العلم، لا يستغني في بعض النوازل عن خبرة الطبيب أو الاقتصادي أو القانوني أو عالم الاجتماع وغيرهم من أهل الاختصاص. ولذلك دعا إلى تكامل المعرفة الشرعية مع المعرفة المتخصصة، وإلى دراسة القضايا الكبرى من مختلف جوانبها قبل إصدار الأحكام بشأنها. وبهذا ينتقل الاجتهاد من نطاق الجهد الفردي المحض إلى رحاب التشاور العلمي الذي يجمع الفقهاء والمتخصصين، ويفسح المجال لتعدد وجهات النظر قبل الوصول إلى الرأي أو الموقف.
فقه الواقع في مشروع الاتحاد:
احتل فقه الواقع منزلة بارزة في منهج الشيخ القرضاوي، فقد كان يؤكد أن صحة الحكم لا تنفصل عن صحة تصور الواقعة، وأن تنزيل الأحكام الشرعية على الحياة يقتضي معرفة دقيقة بالظروف والأحوال والنتائج والمآلات. ومن هنا كان مشروع الاتحاد في تصوره بحاجة إلى عالم يجمع بين فقه النص وفقه الواقع، يعرف القرآن والسنة والتراث الفقهي، ويتابع في الوقت نفسه التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعيشها الناس. وبهذا الجمع بين النص والواقع يحافظ الخطاب الإسلامي على أصالته، ويبقى في الوقت ذاته حاضرا ومؤثرا في الحياة.
من الفتوى الفردية إلى الرؤية الحضارية:
لم تنحصر تجربة الشيخ القرضاوي العلمية في مجال الفتوى بمعناها الضيق، فقد كتب في الفقه والاقتصاد والسياسة والتربية والدعوة والثقافة والأخلاق والصحوة الإسلامية وقضايا الأمة، وانعكس هذا الاتساع على تصوره لوظيفة الاتحاد. فلم يكن مراده إنشاء مؤسسة تقتصر على الإجابة عن الأسئلة الفقهية، وإنما بناء إطار علمائي يشارك في توجيه الأمة، وتصحيح المفاهيم، وترشيد الحركات الاجتماعية والفكرية، وبناء الوعي بقضايا المسلمين. ولهذا اتسعت اهتمامات الاتحاد، فشملت إلى جانب المسائل الفقهية قضايا الهوية والوحدة والأخلاق والأسرة والشباب والحوار والحريات، وقضايا الشعوب والأقليات المسلمة، وغيرها من المسائل المتصلة بواقع الأمة ومستقبلها. ومن هنا يتجلى أحد أبرز آثار القرضاوي في المشروع: توسيع وظيفة العالم من معالجة السؤال الجزئي إلى الإسهام في صناعة الرؤية العامة للأمة.
إدارة الاختلاف وجمع الكلمة:
كان الشيخ القرضاوي يدرك أن جمع علماء المسلمين لا يعني جمع علماء متطابقين في اجتهاداتهم، فذلك لا ينسجم مع طبيعة الفقه الإسلامي ولا مع تاريخ الأمة العلمي. وإنما كان التحدي في تحويل الاختلاف من باعث على التنازع إلى مجال للحوار والتكامل. وقد كتب الشيخ كثيرا في فقه الاختلاف وآدابه، ودعا إلى التمييز بين القطعيات والظنيات، وبين الثوابت ومجالات الاجتهاد، وإلى احترام الاجتهادات المعتبرة، وألا تتحول الخلافات الفقهية والفكرية إلى خصومات تهدم العمل المشترك. وكان لهذا المعنى أهميته في مؤسسة عالمية تضم علماء من مدارس فقهية وبيئات ثقافية متعددة، إذ ارتبط نجاح الاتحاد بقدرته على إيجاد مساحة مشتركة تجمع العلماء من غير أن تسلبهم خصوصياتهم العلمية.
الحضور العالمي للشيخ القرضاوي وأثره في انتشار الاتحاد:
دخل الشيخ القرضاوي تجربة تأسيس الاتحاد وقد امتدت خلفه عقود من الحضور العلمي والدعوي الدولي، فعرف في جامعات ومؤتمرات ومجامع ومؤسسات إسلامية متعددة، وانتشرت مؤلفاته في أنحاء العالم الإسلامي، وترجم عدد منها إلى لغات مختلفة، كما أكسبه حضوره الإعلامي شهرة واسعة تجاوزت الأوساط الأكاديمية المتخصصة.
وكان لهذا الرصيد أثر واضح في التعريف بالاتحاد في سنواته الأولى، فالمؤسسات الناشئة تحتاج إلى الثقة والاعتراف، وكان وجود شخصية علمية معروفة على رأس الاتحاد عاملا مساعدا في استقطاب العلماء إليه وإيصال رسالته إلى جمهور واسع. كما أسهمت علاقاته الممتدة بعلماء المشرق والمغرب وآسيا وإفريقيا وأوروبا في تعزيز الصفة العالمية للمؤسسة الناشئة.
بناء المؤسسة لا صناعة الزعامة الفردية:
على الرغم من قوة حضور الشيخ القرضاوي، فإن القيمة الأعمق للمشروع تمثلت في السعي إلى بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار بعد مؤسسها، فالمؤسسة الناجحة ليست تلك التي ترتبط حياتها بشخص واحد، مهما علت مكانته، وإنما التي تتحول رؤيتها إلى هياكل ولوائح ومجالس ولجان وأجيال متعاقبة تحمل الرسالة وتطورها. ومن هنا جاء تأسيس الجمعية العمومية ومجلس الأمناء والأجهزة واللجان المتخصصة جزءا من نقل الفكرة إلى حيز المؤسسة. وتوزعت مسؤولية الاتحاد بين عدد كبير من العلماء بما يتيح تراكم الخبرة، وانتقال القيادة، واستمرار العمل.
وقد تجلت هذه الاستمرارية المؤسسية حين انتقلت رئاسة الاتحاد بعد انتهاء مرحلة الشيخ القرضاوي إلى قيادة أخرى، وظل الاتحاد قائما يؤدي رسالته ويطور مؤسساته.
إرث الشيخ القرضاوي في الاتحاد:
يمكن النظر إلى إرث الشيخ يوسف القرضاوي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين من مستويات متعددة: إرث تأسيسي يتمثل في المشاركة في إنشاء إطار عالمي جامع للعلماء، وإرث منهجي يقوم على الوسطية والتجديد والمقاصد والاجتهاد الجماعي وفقه الواقع، وإرث مؤسسي جعل التعاون بين العلماء بديلا عن الاقتصار على الجهود الفردية، وإرث حضاري وسع وظيفة العالم لتشمل قضايا الأمة والإنسان والمجتمع. غير أن الوفاء لهذا الإرث لا يتحقق بمجرد المحافظة على مصطلحات الجيل المؤسس، وإنما بالقدرة على تجديد أدوات المشروع بما يلائم كل مرحلة. فالعالم الإسلامي اليوم يواجه تحديات لم تكن مطروحة بالصورة نفسها عند تأسيس الاتحاد من التحولات الرقمية إلى التغيرات الاجتماعية والثقافية العميقة، ومن الأزمات السياسية المتلاحقة إلى تحديات الأسرة والهوية والشباب.
ومن ثم فإن استمرار المشروع الذي شارك الشيخ القرضاوي في بنائه يقتضي المحافظة على أصوله مع تطوير وسائله، وتوسيع دائرة العلماء والمتخصصين، وتأهيل جيل جديد قادر على حمل الرسالة في عالم سريع التحول.
لم يكن دور الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فصلا عابرا في مسيرته، بل كان ثمرة لرؤية راسخة قامت على الوسطية والتجديد والاجتهاد ووحدة الأمة. فقد أسهم في نقل فكرة جمع العلماء من حيز التطلع إلى رحاب المؤسسة العالمية، وأمدها بخبرته العلمية ورصيده الفكري وصلاته الواسعة، فكان له أثر بارز في ترسيخ هويتها ورسم معالم منهجها.
وظل من أبرز آثار الشيخ الدكتور القرضاوي إسهامه في بناء إطار علمائي جامع يلتقي فيه العلماء، وتتآزر جهودهم، ويتصل فيه العلم بقضايا الأمة لتبقى رسالته ممتدة في خدمة حاضرها والإسهام في بناء مستقبلها.
المراجع:
- الدكتور يوسف القرضاوي، في فقه الأولويات.
- الدكتور يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية.
- الدكتور يوسف القرضاوي، الفتوى بين الانضباط والتسيب.
- الدكتور يوسف القرضاوي، ثقافة الداعية.
- الموقع الرسمي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
