آخر الأخبار

علاج البطالة في الاقتصاد الإسلامي – 3-

شارك المقال على:

علاج البطالة في الاقتصاد الإسلامي – 3-

محمد دمان ذبيح

       الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين ثم أما بعد

خامسا : القرض الحسن ودوره في القضاء على مشكلة البطالة

      القرض الحسن من القربات التي ندب الله عزوجل عباده المؤمنين إليها، لما فيها من رحمة بالغير،وقضاء حوائجهم على أكمل وجه، قال الله تعالى :﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [ البقرة: 245] ، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : “رأيتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي على بابِ الجنةِ مكتوبًا : الصدقةُ بعَشْرِ أمثالِها، والقَرْضُ بثمانيةَ عَشَرَ، فقلتُ يا جبريلُ : ما بالُ القَرْضِ أَفْضَلُ من الصدقةِ ؟ قال : لِأَنَّ السائلَ يَسْأَلُ وعِنْدَهُ، والمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إلا من حاجةٍ “[1]

      والقرض الحسن من الأدوات الاقتصادية الفعالة في علاج مشكلة البطالة ، خاصة من جانب البنوك الإسلامية، إذ يمكن لهذه الأخيرة أن تقوم بمنح قروض للمحتاجين، والعاطلين عن العمل، بغرض استثمارها في مختلف المجالات الشرعية ،وهي بهذه الأداة السامقة تكون قد عملت على إدماج، أو إعادة الطاقات البشرية إلى ميدان العمل ، والإنتاج ، وهو ما سيضمن لهم دخلا ثابتا ، وبالتالي سد احتياجاتهم المتعددة بصفة مستمرة.

    بل أبعد من ذلك فإن المصارف الإسلامية قد تقوم بالإقراض لبعض المؤسسات التنموية بقصد تشجيعها على الاستثمار، وتوفير فرص عمل للعاطلين، وتحسين مستوى معيشتهم.[2]

سادسا : الاستثمار ودوره في القضاء على مشكلة البطالة

    إن العملية الاستثمارية تحتل مكانة سامية في الإسلام، و هي تعبر بشكل بارز عن مبدأ الإعمار في الأرض، كما قال الله تعالى :﴿  هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ ﴾ [ هود: 61] .

    ولا يخفى على أحد ما للاستثمار من أهمية بالغة على مستوى جميع الأصعدة، وهو يعمل على تحقيق تمام الكفاية لأفراد المجتمع، كما يعمل على توفير فرص العمل لكل العاطلين دون استثناء، وذلك من خلال المشاريع الاستثمارية المتنوعة، فالعلاقة وطيدة بين الاستثمار، والتشغيل، والنهوض بالواقع الاقتصادي كما ذكر المختصون في هذا المجال.

    وبتعبير آخر فإن الاستثمار يعمل على تحقيق زيادة معدل النمو الاقتصادي بهدف تحسين مستوى دخول الأفراد، وتحقيق مستوى توظيفي تشغيلي مرتفع لعوامل الإنتاج المتوافرة في المجتمع، والقضاء على البطالة، وبالتالي فإن زيادة الاستثمار من أهم السبل لتعزيز التنمية، وتلبية الاحتياجات، وتوفير فرص العمل.[3]

سابعا : دور الدولة في القضاء على مشكلة البطالة

    يعتبر الإسلام الدولة مؤسسة أساسية في حفظ نمط الحياة، وتحقيق المقاصد الشرعية، وتوفير الرخاء المادي، والروحي، والدفاع عن العقيدة، ونشرها، قال عليه الصلاة والسلام : ” كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ عليهم وهو مسؤولٌ عنهم والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِهِ وهو مسؤولٌ عنهم والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلها وولدِهِ وهي مسؤولةٌ عنهم وعبدُ الرجلِ راعٍ على بيتِ سيدِهِ وهو مسؤولٌ عنهُ ألا فكلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيتِهِ “[4]، ويقول أيضا : ” ما مِن مُؤمِنٍ إلَّا وأنا أولى به في الدُّنيا والآخِرةِ، اقرَؤوا إن شِئتُم: ﴿ النَّبيُّ أولى بالمُؤمِنينَ مِن أنفُسِهم ﴾ [ الأحزاب: 06] ، فأيُّما مُؤمِنٍ ماتَ وتَرَكَ مالًا فليَرِثْه عَصَبَتُه مَن كانوا، ومَن تَرَكَ دَينًا أو ضَياعًا فليَأتِني؛ فأنا مَولاه.[5]

     وعلى هذا الأساس فالدولة في الإسلام من أهم واجباتها توفير فرص التشغيل لكل العاطلين عن العمل، وهو ما سيحميهم من الالتجاء إلى الطرق غير الشرعية للعيش كالسرقة،أو الرشوة،أو الاختلاس ، أو التسول.[6]

   ويمكن توضيح هذه المسؤولية أكثر بإمكانية قيام الدولة بالواجبات التالية:

فتح معاهد ،ومؤسسات تدريبية لتعليم العاطلين، وتدريبهم على مهن مختلفة.

توجيه كل عاطل عن العمل إلى عمل يتلاءم مع قدراته، ومواهبه ، واختصاصه.

متابعة العاطلين بعد توجيههم إلى عمل محدد.[7]

     ولعل من أهم الأحاديث التي توضح هذه المسؤولية الهامة للدولة مارواه أبو داود عن أنس بن مالك رضي الله عنه : ” أنَّ رجلًا منَ الأنصارِ أتى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يسألُهُ فقال: أما في بيتِكَ شيءٌ. قال: بلى حِلسٌ نلبسُ بعضَهُ ونبسُطُ بعضَهُ وقَعبٌ نشربُ فيهِ منَ الماءِ. قال: ائتني بِهِما.قال: فأتاهُ بِهِما فأخذَهُما رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بيدِهِ وقال: من يشتري هذَين؟ قالَ رجلٌ: أَنا آخذُهُما بدِرهمٍ. قال: من يزيدُ على درهمٍ؟ مرَّتينِ أو ثلاثًا قالَ رجلٌ: أَنا آخذُهُما بدِرهَمين. فأعطاهما إيَّاهُ وأخذَ الدِّرهمينِ وأعطاهما الأنصاريَّ وقال: اشترِ بأحدِهِما طعامًا فانبذهُ إلى أَهْلِكَ واشترِ بالآخرِ قدومًا فأتني بِهِ. فأتاهُ بِهِ فشدَّ فيهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عودًا بيدِهِ ثمَّ قالَ لَهُ: اذهب فاحتطِب وبع ولَا أرينَّكَ خمسةَ عشرَ يومًا. فذَهَبَ الرَّجلُ يحتطِبُ ويبيعُ فجاءَ وقد أصابَ عشرةَ دراهمَ فاشترى ببعضِها ثوبًا وببعضِها طعامًا. فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: هذا خيرٌ لَكَ من أن تجيءَ المسألةُ نُكْتةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ إنَّ المسألةَ لَا تصلحُ إلَّا لثلاثةٍ لذي فَقرٍ مدقعٍ أو لذي غُرمٍ مُفظعٍ أو لذي دمٍ موجعٍ”.[8]

وصفوة القول: إن الاقتصاد الإسلامي، وبما يزخر به من آليات متعددة ، يعد أنموذجا فعالا في القضاء على مشكلة البطالة، وما يترتب عنها من آثار سلبية على مستوى جميع الأصعدة ، وبالتالي يجب الاهتمام به، وتجسيده على أرض الواقع ليكون سببا في علاج مختلف المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الدول الإسلامية على وجه الخصوص.

 الهوامش


[1] أخرجه ابن ماجه برقم 2431.

[2] محمد علي كرنبة،  الربا وموقف الإسلام منه ص :231

[3] محمد عمر شابرا ، الإسلام والتحدي الاقتصادي، ص : 367.

[4] رواه البخاري برقم 2554.

[5] رواه البخاري برقم 2399.

[6] عبد الغني بسيوني عبد الله ، نظرية الدولة في الإسلام ، ص : 306.

[7] إبراهيم محمود عبد الراضي ، مرجع سابق ، ص : 65 وما بعدها.

[8] رواه أبو داود برقم 1641.

محمد دمان ذبيح
+ posts

أخبار ذات صلة

اختتام الدورة العلمية السادسة عشرة «فقه الثوابت الشرعية في زمن التحولات» بإسطنبول

اختتمت في مدينة إسطنبول، فعاليات الدورة العلمية السادسة عشرة الموسومة

من دروس الإيمان والتوكل على الله في سورة يوسف

تُجسّد قصة يعقوب عليه السلام مع أبنائه في سورة يوسف

آخر المقالات

اشترك في نشرتنا البريدية

تلقَّ آخر الأخبار والبيانات والدراسات مباشرة في بريدك الإلكتروني.

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي طرف ثالث

100%