النّضال الحقيقي يبدأ من داخل أنفسنا، فإذا تغلّبنا على دوافع وعوامل الشّر فيها يُمكننا أن نفعل المعجزات مع غيرنا، ويُمكننا أن ندفع بِقوى البغي والشر والعدوان إلى هاوية سحيقة لا قرار لها.
النّضال الحقيقي يبدأ من الفرد فإذا تغلّب على شهواته ومطالبه الحسية الآنية، وإذا كان له هدف وغاية يسعى لها ولِتحقيقها….وصل إلى أعظم ما تتمناه منه الأمة.
وإذا تغلّب على الجشع والطمع والأنانية البغيضة، وسعى نحو عقيدة رصينةٍ سليمة، ونظرة إنسانية شاملةٍ في الحياة تمكنّا بهذا من القضاء على كل الشرور والموبقات.
وإذا قضينا على التفسخ في الأخلاق والميوعة في التصرفات والمادية في المعاملات .. واستطعنا أن نَعود إلى أصالتِنا وتقاليدنا السامية السمحة..لأمكن لنا أن نقود المعركة وخوضها بأساليبها الحديثة والنصر فيها.
إنّ أمتنا بحاجة إلى هزّة قوية حتى لا تركع على قدميها، وقد رمانا الغرب وحضارته الأوروبية بكل ما يقتل حيوية الإنسان ويدفع به إلى مراتع الحيوانية والانحلالية والانهزامية والسلبية.
فعلى صعيد الثقافة أشاع الجنس الفاحش على أنه أدب رفيع والخيانة الزوجية على انّها الحياة الواقعية..والعنصرية ضد البشَرة السوداء أو الرجل الأسود على أنها من نِتاج فلسفة البقاء للأقوى وصَنع الأفلام التي تُمجد الجريمة على أنها الذكاء المعاصر، ورعاة البقر الذين يطردون الزنوج من أرضهم على أنّهم أصحاب الحق ما دامت القوة معهم، فإذا أدمن أبناؤنا رؤية هذه الأفلام ركّز في أذهانهم..أنّ الأبيض أفضل من الأسود، وأنّ القوي هو الذي يحكم ويملك ولو كان على باطل.
وفي المدى البعيد قد لا يَشعر أبناؤنا بحقِ ( عرب فلسطين) في أرضهم لأنه سيشعر في اللاوعي العقلي بأحقيتهم..وعقله الباطن سيصنع المقارنة بين رعاة البقر والزنوج منذ زمنٍ ليس ببعيد والمقارنة بين الصهاينةو( عرب فلسطين)فربما يرى عدم أحقيتهم .
وإذا قضى هذا الأمر على ناشئتنا ، فقل على أمتنّا العفاء.
إن الحرب النفسية التي يشنها أعداؤنا علينا لابد من وضع حد لها بمقاومتها بالفكرة السديدة، والتفكير المتزن بالثقافة التي تنبع من صميم وَعيِنا، ووعي أُدبائنا وكتّابنا وشعرائنا وفناّنونا..عليهم أن ينتبهوا قبل الطوفان.. وعليهم ألّا ينخدعوا في أساليب الحضارة الأوربية أو ينبهروا بها، أو يصنعوا أفكارهم ويقيسوها بالميزان الأوربي، أو يبنوا أنماطاً من الأدب على مستوى الحضارة الأوربية أو الفكر الغربي.
لقد أثبت الفكر الغربي إنهزاميته خصوصاً بعد حربين عالميتين ونتائج هذه الانهزامية نراها على الصعيد
الفكري والمسرحي وعلى صعيد الواقع، فشباب أوربا الآن لا تعرف ذكوره من إناثه بتقاليده المائعة التي اخترعها باسم الحرية وتحقيق الذات ( وخنافس) إنكلترا مَثل لذلك والملابس الرجالية التي تلبسها النّساء والفتيات.. أو القصيرة جداً التي تعتبر نموذج العصر مَثل ثانٍ، واسدال شعور الشباب مَثل ثالث، والمسرح اللامعقول مَثل رابع، وفلسفة ( سارتر) وكهوفه والأدب التشاؤمي والإنحلال يجتاح كل أوربا، ولا نجاة لنا في بلادنا العربية إلا بالتقشف وأخذ النّفس أخذاً نحو قِيمنا وتقاليدنا وعقائدنا السامية، ومقاطعة كل ما هو نِتاج الحضارة الأوربية والعودة سريعاً إلى حضارتنا الزاخرة بالِقيم وبالمُثل الإنسانية الرفيعة.
إن رسول الله عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد يلعن المتشبهين من الرجال بالنّساء وبالعكس أيضاً ،فيقول ( لعن الله المشبهين من الرجال بالنساء ولعن الله المتشبهات من النساء بالرجال)[ رواه البخاري في صحيحه والترمذي في سُننه].
ولقد حث الرسول على التخشُن في أنماط الحياة،فقال عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد : ( أخشُوشنوا فإن الَتَنعُم لا يدوم) [حديث ضعيف].
وكان سيدنا علي رضي الله عنه يعجبه من الطعام ماخشن.
وخشيَ الرسول على أمتِه كُبر البطن ومداومة النوم والكسل ، فقال عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد:( أخشى ما خشيت على أمتي كُبر البطن ومداومة النوم والكسل وضعف اليقين)[ أخرجه الدارقطني].
ومن هنا يبدأ النضال الحقيقي مع أنفسنا قبل أن يجرفنا التيار، وقبل الضياع ومن هنا ينبغي أن نأخذ أنفسنا بهمةٍ عالية كما أخذ السلف الصالح به أنفسهم، فالذين يريدون الخير لوطنهم وأمتهم يعملون دائبين من أجل النصر المؤزر والنصر آت لا ريب فيه، مع ترك الرفه والكسل ، ومع مقاومة أنفسنا ومقاومة الشر في مجتمعنا، ومع التخطيط من أجل شبابنا..ومن أجل جيلنا الجديد ومن أجل مجتمع أفضل يشعر بعزته وكرامته..ويشعر بأمته وتقاليدها وأصالتها ومن أجل أن تسير الحياة بنا إلى الأفضل والأصلح والأكرم.
