آخر الأخبار

أين المسلمون اليوم من خلق الإيثار؟ مقاربات ونماذج وشواهد تاريخية         

شارك المقال على:

الإيثار لغةً: التكريم والتفضيل ومأخوذ من الفعل أثر، والأثرة والمأثَرة والمأثُرة، بفتح الثاء وضمها، لأنها تؤثر، أي تذكر، وآثره: أكرمه، وآثره عليه: فضله، وآثرتك إيثاراً أي فضلتك(1).

وفي الاصطلاح: عرفه الإمام إبن القيم بأنه: (الإيثار ضد الشح، فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح حريص على ما ليس بيده…)(2).

وقال الإمام القرطبي: (الإيثار تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية رغبة في الحظوظ الدينية، والإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال وإن عاد إلى النفس، ومن الأمثلة السائرة: والجود بالنفس أقصى غاية الجود)(3).

فالإيثار إذن هو: تفضيل وتكريم وتخصيص الغير وتقديمه في أي حظ دنيوي على ذات نفسه بإخراج الأنانية والإحتكار وحب الذات من داخل النفس البشرية وملذات الدنيا، مع أنه محتاج لما آثر به غيره، حباً فيما ينتظر من الأجر والثواب عند الله تعالى.

ولقد مدح الله تعالى الصحابة الكرام رضي الله عنهم بأنهم كانوا يقدمون غيرهم على أنفسهم في حظوظ الدنيا، مع ما بهم من فقر وضيق وشدة، وقد بلغ هؤلاء بما لم تشهد البشرية له نظيراً، وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديماً وحديثا(4).

وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).(الحشر:9).

إن النفس الزكيّة هي التي تظهر شفافيتها عند مواطن الاختبار والاعتبار، فهي تجود حتى بزادها، وتؤثر على نفسها حتى بأعزّ ما تملك.

       قال الإمام الرازي في تفسيره للآية الكريمة: (إن هذا الإيثار ليس عن غنى وإنما عن حاجة وخصاصة وهي الفقر)(5).

ومن الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يضحون ويجاهدون بأموالهم في سبيل الله، مما أدى ذلك أن يكونوا قمة في الإيثار: فروي إنّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه تصدّقَ بكل ماله، وتصدّق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشطر ماله، وتصدّق عثمان بن عفان رضي الله عنه بالآلاف المؤلفة من ماله، وآثر علي بن أبي طالب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه في الهجرة، وتصدّق عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بمعظم ماله… وهكذا بقية الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع، فقال سعد الأنصاري لـ عبد الرحمن المهاجري يا عبد الرحمن ! أنا أكثر الأنصار مالاً، فسأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان (زوجتان) فانظر أعجبهما إليك لأطلقها، حتى إذا انقضت عدتها تزوجتها! فقال عبد الرحمن بن عوف العفيف: بارك الله في أهلك وأموالك، ولكن دلني على السوق.

وأي حب أعظم من هذا، أن يطلق لك أخوك زوجته، وكريمته حتى تتزوجها؟ وأي إخاء أمتن من أن يشاطرك أخوك ماله وجهده؟!. فدله على السوق وما زال يتاجر في الأقط والسمن حتى ناله شيء من اليسار، وتزوج امرأة من الأنصار، وقد فتحت عليه الدنيا، فما توفي إلاّ وهو من أثرى الأثرياء.. وهكذا يتجلى السخاء وغاية الإيثار من سعد؟؟ ويتجلى الإباء وعفة النفس من ابن عوف؟؟ وهكذا ينبغي أن يكون المسلم.

إن الإيثار يطهر النفس البشرية من الشح والبخل، وهاتان الصفتان من إتصف بهما إبتعد عن الفلاح والخير لقوله تعالى: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من البخل فيقول: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل…)(6).

وترى من الصحابة الكرام من آثر ضيفه على نفسه وأهله وأولاده حبّاً لله ورسوله وإبتغاء مرضاتهما، ومن المثل العليا التي فيها شيء من الطرافة والحيلة البارعة في سبيل القيام بحق الضعيف ومواساة المحتاج ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: (من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟)، فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله فقال لإمرأته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني، فقال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفأي السراج، وأريه إنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفإيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (قد عجب الله عز وجل من صنيعكما بضيفكما الليلة) فأنزل الله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)(7). وهذه صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار. هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلاما طائرة ورؤى مجنحة ومثلا عليا قد صاغها خيال محلق.

ويقول عتبة بن غزوان رضي الله عنه: (لقد رأيتنا بالشعب مع النبي صلى الله عليه وسلم وما منا أحد إلا وهو يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ولقد خرجت ذات ليلة لقضاء بعض حاجتي فوقعت يدي على شيء، فإذا هو جبة فنفضتها فأتيت بها أصحابي، فاقتسمتها أنا و سعد بن مالك اتزرت بنصفها واتزر بنصفها، ثم والله الذي لا إله غيره لقد رأيت أولئك النفر وما منهم أحد إلا وهو وال على مصر من الأمصار).

كما أن السخاء والجود يؤديان إلى تطهير النفس من الشح والبخل والوصول إلى مرتبة الإيثار، ومن اتصف بالإيثار أحبه الله وأحبه الناس، يقول الإمام الغزالي: (إن الأخلاق عطايا يضعها الله حيث يشاء، وليس بعد الإيثار درجة في السخاء فأرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة، والإيثار أعلى درجات السخاء)(8).

وفي المدينة المنورة يذكر في كتب التاريخ: مر بهم حالة فقر فما وجدوا لحماً مدة طويلة, حتى قالوا: أهدي لبيت فقير رأس شاة ليطبخوه ويتعشوا عليه، فأتى هذا البيت الفقير فقالوا: جيراننا أولى منا بهذا الرأس، فأهدوا هذا الرأس لجيرانهم، وجيرانهم أهدوه لجيرانهم وجيران الجيران أهدوه لجيرانهم, ودار في ثمانية دور في المدينة حتى عاد لمن أهداه أول مرة.

والإيثار والسخاء خصلتان حسنتان، من تحلى بهما كان في قمة عليا، يقول إبن القيم: (والإيثار أعلى المراتب لأنه يؤثر غيره بالشيء مع حاجته إليه، والجود بعده في المرتبة لأنه يعطي الأكثر، ويبقي له شيئا، أو يبقي مثل ما أعطى، وأما السخاء فهو أن لا ينقصه البذل، ولا يصعب عليه)(9).

وحكي عن أبي الحسن الانطاكي إنه إجتمع عنده نيف وثلاثون رجلاً بقرية من قرى الري، ومعهم أرغفة معدودة لا تشبع جميعهم، فكسروا الرغفان وأطفأوا السراج وجلسوا للطعام، فلما رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد شيئاً، إيثاراً لصاحبه على نفسه(10).

وكما أن الإيثار يعود المسلم على تحمل المشقات والمصاعب والصبر عليها، فيغرس في المؤثر لغيره على نفسه مع حاجته لما آثر به القدرة على تحمل الصبر، الذي يعتبر بالنسبة للإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.. والإيثار بذلك يدفع بصاحبه إلى التحلي بالخلق الحسن، لأنه يعلم الصبر والجود والكرم ومن تحلى بهذه الصفات رافق ذلك حسن الخلق، فالمؤثر لغيره على نفسه لا يندفع لذلك إلا إذا كان صاحب خلق حسن.

قال حذيفة العدوي: إنطلقت يوم اليرموك أطلب إبن عم لي – ومعي شيء من الماء – وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به، فقلت له: أسقيك، فأشار برأسه أن نعم، فإذا أنا برجل يقول: آه! آه! فأشار إلي إبن عمي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص فقلت: أسقيك؟ فأشار أن نعم، فسمع آخر يقول: آه! آه! فأشار هشام أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى إبن عمي فإذا هو قد مات(11).

ما أعظم الإيثار في هذه اللحظة! وما أجلّ هذه الشَّرْبة الهنيئة التي يتجرّعها كلُ واحد منهم في الجنة بإذن الله بسبب إيثاره لإخوانه بالشراب قبله حتى وافته المنية!

وقال عباس بن دهقان: ما خرج أحد من الدنيا كما دخلها إلا بشر بن الحارث فإنه أتاه رجل في مرضه فشكا إليه الحاجة فنزع قميصه وأعطاه إياه، واستعار ثوباً فمات فيه(12).

وبمثل هذه الأمثلة من الايثار تتحقق الأخوة الإسلامية الحقيقية كما يقول الإمام حسن البنا: (الأخوة الحقيقية أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب: سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار، (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)، والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه، لأنه إن لم يكن بهم، فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، (وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، (والمؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً). (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ), وهكذا يجب أن نكون)(13).

والإيثار صفة عالية يحرك في الإنسان السلوك الإيجابي الذي يسمو به إلى تقديم مصلحة أخيه المسلم على مصلحته الخاصة، وهذا ما يوطد المحبة والمودة والأخوة الحقيقية بين المسلمين فيحصل بذلك التكافل والتضامن بين أفراده.

ذكر إبن القيم في مدارجه أن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه كان من الأجواد المعروفين، حتى أنه مرض مرة، فاستبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم؟ فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدَين. فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه، لكثرة من عاده(14).

فما أجدر المسلمين أن يتخلقوا بخلق الإيثار، الذي هو قمة في الأخلاق، ورمز الأخوة الإسلامية وهو صورة إسلامية مشرقة من صور التكافل والتضامن الإسلامي، والحياة الدنيا ليست مبلغ همّ المسلم، بل هي مطيّته إلى الآخرة، ولن يبلغ هدفه في الآخرة ما لم يحسن التعامل مع الحياة الدنيا فيؤثر على نفسه إبتغاء مرضاة الله تعالى وطلباً للفوز بجنته، كما أن الإيثار منزلة متقدمة من التضحية لا يقدم عليها إلا من تحلى بصفات خلقية رفيعة من قوة اليقين والإيمان بالله تعالى، والصبر على المشقة، والتحمل والإخلاص والصدق والأخوة وتوكيد المحبة.

الهوامش

(1) لسان العرب: 4/7.

(2) تهذيب مدارج السالكين: 2/641.

(3) الجامع لأحكام القرآن: 18/18.

(4) في ظلال القرآن: 6/3526.

(5) التفسير الكبير: 29/250.

(6) رواه مسلم.

(7) رواه البخاري مسلم.

(8) إحياء علوم الدين: 3/243.

(9) تهذيب مدارج السالكين: 2/642.

(10) الجامع لأحكام القرآن: 18/20.

(11) الجامع لأحكام القرآن: 18/21.

(12) إحياء علوم الدين: 3/244.

(13) رسائل الإمام الشهيد حسن البنا: 378.

(14) تهذيب مدارج السالكين: 2/642.

دحام إبراهيم الهسنياني
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

أهمية التربية الروحية في القيادة المعاصرة

مقدمة يشهد العالم المعاصر تحولات متسارعة في مختلف المجالات السياسية

الصيام والعمران – كيف يسهم الصيام في بناء العمران الإنساني والحضاري؟

المقدمة: الصوم بين تهذيب النفس وبناء العمران حين يُذكر الصوم،

الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني (رحمه الله) – “أعماله التي خلدته في صفحات التاريخ”

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم

آخر المقالات

100%