تحدث القرآن الكريم في سورة آل عمران عن مريم عليها السلام ونشأتها الصالحة في رعاية الله وعنايته، وكفالة زكريا عليه السلام التي كانت توفيقاً من الله لمريم ولزكريا عليه السلام الذي دعا المولى بأن يرزقه الولد بعد أن رأى كرامةً لمريم، واستجاب الله دعوته ورزقه بيحيى عليه السلام الذي جمع الله عز وجل له محاسن الصفات ومحامد الأخلاق، ثم يعود السياق مرة ثانية إلى مريم عليها السلام وإلى اصطفاء الله عز وجل لها في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾:
أي أن الله اختارها لهذا المقام الأسمى حيث جعلها من بيتٍ صالح، وقبلها قبولاً حسناً، وأنبتها نباتاً حسناً، وجعل زكريا لها كافلاً، وأجرى الكرامة على يديها إكراماً لها وإحساناً إليها، وهذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم عليها السلام عن أمر الله لهم بذلك أن الله قد اصطفاها أي اختارها؛ لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، وفي حقيقة اصطفائها عدة وجوه:
- منها أنه قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى، ولم يحصل مثل هذا لغيرها من الإناث.
- منها ما وقع لها من الكرامة حيث كان رزقها يأتيها من عند الله.
- منها أنه فرَّغها لعبادته وخصَّها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة.
- منها أنه أسمعها كلام الملائكة شفاهاً (الشرقاوي، 2/641).
فالاصطفـاء الأول ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾: بمعنى الاجتبـاء والانتقـاء، فالله اجتبى مريـم وانتقاها من بين النساء، وأخذها من بينهم وجعلها محلاًّ لتحقيق أمره.
والاصطفاء الثاني ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾: ثمرة للاصطفاء الأول ونتيجة له، فعندما اجتبى الله مريم واختارها من بين نساء العالمين، فقد فضلها على باقي نساء العالمين.
- فلا تكرار في الحقيقة في الآية؛ لأن الاصطفاء في المرّة الثانية ليس بمعنى الاصطفاء في المرة الأولى، بل هو ثمرة له، وقد اصطفى الله مريم وانتقاها من بين النساء، ونشأها نشأة حسنة وأنبتها نباتاً حسناً وأسبغ عليها نعمه وتوفيقه ورعايته وألهم أمُّها أن تنذرها له وهي في بطنها، ليجعلها خالصة له محررة له وهيَّأ لها الحياة والعيش تحت كنف ورعاية نبيٍّ كريم هو زكريا عليه السلام، وقدَّم لها الرزق المنوَّع الشامل وهي في المحراب تكريماً لها.
- ولم تتوفر هذه الأمور لأي امرأة غيرها، مهما بلغت من الصلاح والتقوى وهذا هو الاصطفاء الأول لها، القائم على الانتقاء والاجتباء، وبما أن الله اصطفاها وانتقاها، فقد صفَّاها وخلَّصها من الشوائب، وطهرها من الأدناس والأرجاس (وطهَّرك). واصطفاها الله على نساء العالمين، وفضّلها عليهن جميعاً في إنجابها الولد بدون أب، حيث خصَّها وحدها بهذه الآية الباهرة، والمعجزة الخارقة (الخالدي، 4/192).
ودلالة هذا الاصطفاء العظيم أمران مهمان:
أ ـ القرآن الكريم كلام الله:
وردت هذه الشهادة لمريم في القرآن الكريم، مع أن الرسول (ﷺ) كان يخوض معركة فكرية شديدة مع النصارى، ليدل أن القرآن كلام الله، ومظهر من مظاهر الإنصاف والعدل في الإسلام، والإشارة إلى الطهر هنا إشارة ذات مغزى، وذلك لما لابس مولد عيسى عليه السلام من شبهات، لم يتورّع اليهود أن يُلصقوها بمريم الطاهرة، معتمدين على أن هذا المولد لا مثال له في عالم الناس، فيزعمون أن وراءه سرّاً لا يشرف.
وهنا تظهر عظمة هذا الدين، ويتبين مصدره عن يقين، فها هو محمد (ﷺ) رسول الإسلام تلقى من أهل الكتاب ـ ومنهم النصارى ـ ما تلقى من التكذيب والعنت والجدل والشبهات، وها هو ذا يحدّث عن ربه بحقيقة مريم العظيمة، وتفضيلها على «نساء العالمين»، بهذا الإطلاق الذي يرفعها إلى أعلى الافاق وهو في معرض مناظرة مع القوم الذين يعتزّون بمريم، ويتخذون من تعظيمها مبرراً لعدم إيمانهم بمحمد، وبالدين الجديد.
أيُّ صدق؟ وأيُّ عظمة؟ وأية دلال على مصدر هذا الدين، وصِدق صاحبه الأمين؟ إنه يتلقى (الحق) من ربه عن مريم وعن عيسى عليهما السلام، فيعلن هذا الحق، في هذا المجال، ولو لم يكن رسولاً من الله الحق ما أظهر هذا القول في هذا المجال بحال (سيد قطب، 1/395-396).
ب ـ مريم أفضل نساء العالمين:
إن ظاهر القرآن الكريم والأحاديث النبوية يقتضيان أن مريم أفضل من جميع نساء العالم من حواء إلى اخر امرأة تقوم عليها الساعة، ثم بعدها في الفضيلة فاطمة بنت محمد (ﷺ)، ثم خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ثم اسية بنت مزاحم، وقد بيَّنا الآيات الدالة على اصطفاء الله لمريم، أما أحاديث الرسول (ﷺ) فمنها:
ـ قوله (ﷺ):«حسبك من نساء العالمين مريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، واسية امرأة فرعون» (أخرجه الحاكم في المستدرك، 2/595).
ـ قال رسول الله (ﷺ):«كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (البخاري، رقم: 3411).
إن أهل الكمال من الرجال كثير لا يحصى عددهم، ولم يكمل من النساء غير هذه الأربع، ومع ذلك لم يبلغوا مرتبة النبوة.
ومعنى الكمال: التناهي في الفضائل، والبرّ والتقوى والإحسان، وغير ذلك من الأخلاق والرفيعة والصفات الحميدة.
والكمال في شيءٍ ما يكون حصوله للكمال أولى من غيره، والنبوة ليست أولى للنساء؛ لأن مبناها على الظهور، والدعوة إلى الله مع الاختلاط بجميع طبقات الشعب، على اختلاف عناصرها، وتباين مشاربها، ومناهجها، وحالهن: الاستتار، ولا تكون النبوة في حقهنَّ كمالاً، بل الكمال في حقهنَّ ـ الصدِّيقيَّة ـ وهي مرتبة عظيمة قريبة من النبوة (الحجار، ص 514).
وفي الحديث السابق شهد رسول الله (ﷺ) لمريم بكمالها ورجاحة عقلها، ومقتضى ما نصَّ القرآن الكريم عليه أنها حازت المرتبة الأولى في الفضل (الأشقر، ص 325).
وبعد أن ذكرنا اصطفاء مريم عليها السلام من الله تعالى وتفضيلها على النساء أجمعين، يتبادر إلى الأذهان التساؤل التالي:
هل مريم صديقة أم نبية؟
الصحيح في هذه المسألة أن مريم عليها السلام ليست نبية، وإنما هي صدِّيقة، والدليل على ذلك ما يلي:
ـ ظاهر النص الكريم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: 109].
ـ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].
ـ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
والحكمة من تخصيص الرجال بالنبوة دون النساء، أن النبوة عبء ثقيل وتكليف شاق، لا تتحمله طبيعة المرأة بتركيبها البيولوجي والنفسي، ولهذا كان جميع الأنبياء من الذكور؛ لأن مهام الرسالة مضنية، تحتاج إلى مصابرة ومجاهدة، وتتطلب الكفاح والسفر، وخوض المعارك وتحمُّل المشاقّ (الصلابي، ص 54).
ولم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة وصفها بالنبوة، وإنما جاء وصفها بأوصاف أخرى تدل على صلاحها وطهرها وصدِّيقيَّتها قال تعالى:﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75] ، وإنما قيل لها صديقة؛ لكثرة تصديقها بآيات ربها وتصديقها ولدها فيما أخبرها به ووضعت بصدق وعد ربها ووصفت بصدق وعد ربها، وهو ميثاق الإيمان.
والقصد من وصفها بأنها صدِّيقة نفيٌ أن يكون لها وصف أعلى من ذلك، وهو وصف الألوهية؛ لأن المقام لإبطال قول الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة، فجعلوا مريم الأقنوم الثالث، فهو نفيٌ لألوهية المسيح وأمه وهما من البشر فكانا يأكلان الطعام، ويتبع ذلك خروجه، فهذا كناية عن الغائط والبول (الزحيلي، ص 619).
ووصفت بالصدِّيقة لكمال إخلاصها وانقيادها لله عز وجل ظاهراً وباطناً، والتعبّد بطاعته سبحانه وتعالى في كل حركة وسكون مع إخلاصٍ عظيم في القصد لله عز وجل.
المصادر والمراجع:
- سيد قطب. في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، ط 38، 1430هـ، 2009م.
- الحجار، محمد. من قصص التنزيل، بيروت: دار البشائر الإسلامية، ط1، 1419هـ، 1999م.
- الأشقر، عمر سليمان. قصص التوراة والإنجيل في ضوء القران والسنة، دار النفائس، بيروت. لبنان، ط1، 1432هـ 2011م.
- الصّلابي، علي محمد. الإيمان بالرسل والرسالات، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، بيروت، 2011م.
- الزحيلي، محمد مصطفى. شرعة الله للأنبياء في القران الكريم والسنة، دار ابن كثير، دمشق، ط1، 2018م.
- الشرقاوي، أحمد. المرأة في القصص القرآني، دار السلام، ط1، 1421هـ، 2001م.
- الخالدي، صلاح. القصص القرآني عرض وقائع وتحليل أحداث، دمشق: دار القلم، بيروت: الدار الشامية، ط1، 1419هـ، 1998م.
