صلاة الفجر.. حكاية جيل في بغداد
بقلم: د. سعد الحلبوسي
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
في العاصمة العراقية بغداد خلال السنوات التي أعقبت الاحتلال الأمريكي وما رافقه من اضطراب أمني واحتقان طائفي، لم تكن الحياة اليومية مستقرة، بل كانت المدينة كلها تعيش على إيقاع الخوف واحتمالاته الموت في أي لحظة، وفي ذلك الواقع المرير، كنتُ أنا وأصدقائي طلاباً في الجامعة نحاول أن نتمسك بشيء يعيد لنا توازننا وسط هذا الانكسار العام الذي يعيشه البلد..
كنا طلابًا في الجامعة، نخرج إلى الدروس ونعود وفي داخلنا قلقٌ لا يغادرنا، كأننا نمشي في مدينة لا تعرف الا القلق، ومع ذلك، كان هناك قرار اتخذناه نحن مجموعة من الأصدقاء، لم يكن قرارًا عابرًا، بل أقرب إلى عهدٍ داخلي “أن نحافظ على صلاة الفجر في جماعة مهما كانت الظروف”، وهو اجراء وقائي بالنسبة لنا ولا نملك غيره.
تحول هذا الالتزام عندنا إلى ما يشبه الحصن النفسي والروحي، وذهبنا أبعد من ذلك، إذ اتفقنا أنه إذا فاتتنا صلاة الفجر في جماعة، فإننا لا نخرج من بيوتنا في ذلك اليوم، بسبب شدة الخوف الذي كان يلف بغداد آنذاك، ولأن الشوارع لم تكن آمنة بالشكل الذي يسمح بحياة طبيعية مستقرة.
كنا نستحضر دائمًا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله). كانت هذه الكلمات بالنسبة لي ولأصدقائي كأنها حياة نعيشها ونحاول أن نجعلها جزءًا من تفاصيل يومنا، كأننا ندخل في حماية لا تُرى لكنها تُشعرنا بالطمأنينة وسط هذا الاضطراب.
أتذكر جيدًا أحد تلك الأيام، حين كان أخونا وليد – هو إمامنا في صلاة الفجر – والذي كان شابًا هادئًا، قريبًا من القلب، يحمل في صوته بحة بسيطة لكنها سكينة، وفي ذلك الصباح، كان متوجهًا إلى دوام الجامعة في منطقة الأعظمية ببغداد، كأي يومٍ عادي في حياتنا، لا يحمل في ذهنه ما سيحدث بعد لحظات.
لكن الطريق لم يكن عاديًا، بل كان أشبه بطريق الموت، وفي لحظة مباغتة، وأثناء تلك المرحلة التي كان فيها وجود الاحتلال الأمريكي في بغداد حاضرًا بقوة، تعرّض وليد لإطلاق نار وهو في طريقه الى الجامعة لكنّ الله لطف به ونجّاه، فكانت لحظة صادمة بالنسبة لنا، لأننا كنا نعيش المعنى نظريًا، فإذا به يتحول أمامنا إلى واقع قاسٍ ومباشر.
وصلنا إليه في حالة ارتباك شديد، وكان المشهد أكبر من قدرتنا على الاستيعاب في تلك اللحظة، إذ كنا جميعنا طلاب وفي مقتبل العمر ولم نمر بحادث كهذا. فكان الحاث في وهلته الأولى كأنه صدمة أعادت تشكيل فهمنا لكل ما كنا نؤمن به ونمارسه. لكن مع هذا رأيت في عيني وليد وبعض زملائي مزيجًا من الألم وشيء من الثبات، وكأن التجربة لم تكسر المعنى الذي كنا نحمله، بل عمّقته.
جلست معه في ذلك الصباح، بعدما هدأ روعه، وكانت المدينة كلها خارج نطاق الاطمئنان، وقلت له بهدوء، كأنني أسترجع ما كنا نردده دائمًا: “هذا هو الحارس الأمين الذي تعادنا عليه في صلاة الفجر في جماعة، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:(من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله).”
ولم تكن الجملة مجرد مواساة، بل كانت إدراكًا متأخرًا لحقيقة كنا نعيشها دون أن نستوعب عمقها، حيث كانت نسبة النجاة من ذلك الحادث تكاد تكون معدومة لكن الله سبحانه كتب النجاة بقدرته، فكان الفجر حالة حماية روحية وسكينة شهدناها في لحظات الاضطراب الشديد، وأن الذمة التي وردت في الحديث كانت بالنسبة لنا معنى عشناه مع أقصى حالات الخوف.
وبعد تلك الحادثة لم يعد التزامنا بصلاة الفجر حالة عادية، بل صار أكثر رسوخًا ووعيًا، وأصبحنا ننظر إليها كخط فاصل بين الغفلة والانتباه، وبين الضعف الداخلي ومحاولة استعادة التوازن في مدينة كانت تتغير بسرعة.
ومرت السنوات وتبدلت ملامح بغداد وهدأت بعض ملامح تلك المرحلة المضطربة، لكن تلك التجربة بقيت حاضرة في ذاكرتي بكل تفاصيلها. وبعد مرور 22 سنة أسترجعها وكأنها حدثت بالأمس، وهذا – بالنسبة لي ولزملائي – كان بداية معنى أن يكون الإنسان في ذمة الله كما جاء في الحديث الشريف.
لقد تعاهدنا على صلاة الفجر في جماعة فنجونا بفضل الله، لأنها الضمانة الحقيقية، والحصن الأمين. والأجدر بشباب الأمة وفتيانها ان يتسلحوا بها فهي سلاح من لا سلاح له، ولولا أهميتها العظمى لما كانت من آخر وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت، وهي الرابط الذي يأخذ العبد الفقير الى معارج الله العليا ويدور به في ملكوت الله ليكون الله سبحانه وتعالى أقرب اليه من أي أحد من البشر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
* ملحوظة: جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
