آخر الأخبار

جيلٌ صنعتهُ المساجد

شارك المقال على :

حين يُكتب تاريخ العمل التربوي والدعوي في العراق خلال العقود الأخيرة، فإن الدورات الصيفية في المساجد تستحق أن تُسجل من أكثر التجارب تأثيراً في صناعة الأجيال وبناء الشخصية الإسلامية. فهذه الدورات كانت حلقات لتحفيظ القرآن الكريم وبرامج تربوية عميقة الأثر، وتركت بصماتها على آلاف الشباب الذين حملوا فيما بعد رسالة الدعوة والإصلاح في المجتمع.

غير أن كثيراً من الناس يربطون نشأة الدورات الصيفية بعام 1991، بينما تعود جذورها إلى ما قبل ذلك بسنوات، ففي عام 1976 أطلقت وزارة الأوقاف مبادرة لتشجيع حفظ القرآن الكريم، فخصصت بموجبها مكافأة مقدارها عشرة دنانير عراقية لكل من يحفظ جزءاً من القرآن الكريم، مما دفع عدداً من مساجد بغداد إلى إقامة حلقات لتحفيظ القرآن الكريم وتعليمه. واستمرت هذه الدورات حتى عام 1983، لكنها بقيت تعتمد على جهود الأئمة والخطباء ومبادراتهم الفردية، فوضعت بذلك اللبنة الأولى لمشروع تربوي سيكبر أثره لاحقاً.

وفي تلك المرحلة برز الداعية المصري الشيخ محمود غريب رحمه الله، إمام وخطيب جامع ابن بنية في بغداد، الذي أدرك أهمية استثمار العطلة الصيفية في تربية الأجيال، فسعى إلى تطوير التجربة وتوسيعها بدعم من أسرة البنية المعروفة، التي وفرت حافلات لنقل الطلاب من مختلف مناطق العاصمة إلى الجامع، واستعان في إدارة الحلقات والتدريس بعدد من المشايخ والدعاة، منهم الشيخ عبدالمنعم الجنابي، والشيخ الدكتور عبدالقادر الفضلي، والشيخ الدكتور هاشم المشهداني، والشيخ الدكتور محمود الفلاحي، والشيخ الدكتور سامي الجنابي، فتحول جامع ابن بنية إلى مركز رئيس للدورات القرآنية في بغداد.

ومع تزايد أعداد المشاركين نقل الشيخ محمود غريب التجربة إلى مساجد ومناطق أخرى وكلف عدداً من المشايخ بالإشراف عليها، لتتحول من حلقات محدودة إلى مشروع تربوي واسع الانتشار، ولهذا يعد الشيخ محمود غريب أحد أبرز رواد الدورات الصيفية المنظمة في العراق، وصاحب الدور الأهم في ترسيخ هذا العمل التربوي وتوسيع نطاقه قبل أن يشهد مرحلة جديدة من الانتشار الكبير مطلع تسعينيات القرن الماضي.

وجاء التحول الأكبر عام 1991 مع انطلاق “الحملة الإيمانية” التي امتدت إلى مساجد العراق من شماله إلى جنوبه بتوجيه من وزارة الأوقاف آنذاك، حيث دخلت الدورات الصيفية مرحلة جديدة من الانتشار والتأثير. وقد فتحت المساجد أبوابها لاستقبال الناشئة خلال العطلة الصيفية، في محاولة لربطهم بالقرآن الكريم وتعاليم الإسلام، وتوفير بيئة تربوية صالحة تحتضنهم في مرحلة تعد من أكثر مراحل العمر حساسية وتأثيراً.

وكنت واحداً من أولئك الذين دخلوا هذه الدورات في عامها الأول منذ انطلاقها، حيث كنت أحد فتيان جامع أبي بكر الصديق في مدينة الرمادي في محافظة الأنبار غرب العراق، وما زلت أتذكر تفاصيلها وكأنها كانت بالأمس. ولم تكن الدراسة ذات قاعات فخمة ولا برامج معقدة، لكنها كانت تحمل روحاً صادقة وأهدافاً واضحة، وكان معلمو التربية الإسلامية في المدارس إلى جانب الدعاة والخطباء يتولون مهمة التدريس والإشراف فكانوا يجمعون بين المعرفة العلمية والخبرة التربوية ويقدمون للشباب نموذجاً عملياً يقتدى به في السلوك والالتزام.

ولعل أعظم ما يميز تلك الدورات أنها لم تكن تركز على تلقين المعلومات فحسب، بل كانت تسعى إلى بناء الإنسان، وكنا نتعلم القرآن الكريم ونحفظ الأحاديث النبوية ونتعرف إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، لكننا في الوقت نفسه كنا نتعلم الانضباط واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية، والعمل الجماعي وحب المسجد، والشعور بالانتماء إلى رسالة أكبر من ذواتنا.

ولقد تخرج من تلك الدورات عدد كبير من الأئمة والخطباء والدعاة وطلبة العلم، الذين أصبحوا فيما بعد رموزاً معروفة في مجالات الدعوة والتربية والإصلاح الاجتماعي، وما يلفت النظر أن كثيراً منهم لم ينتظر منصباً ولا مكافأة ولا راتباً، بل حمل رسالة الدعوة تطوعاً وسدّ فراغاً كبيراً كانت تعاني منه الساحة الإسلامية في مجالات التعليم والتوجيه والتربية، وهؤلاء هم الذين انتشروا في المساجد والمدارس والمراكز العلمية، وأسهموا في تربية أجيال جديدة فامتد أثر الدورات من المشاركين فيها إلى المجتمع بأسره.

كما نجحت هذه الدورات في معالجة واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الشباب آنذاك وهي مشكلة الفراغ، فخلال سنوات طويلة كانت العطلة الصيفية تتحول بالنسبة إلى كثير من النشء إلى وقت ضائع لا يستثمر بصورة صحيحة فجاءت الدورات لتملأ هذا الفراغ بما ينفع الجيل في دينهم ودنياهم، وتمنحهم بيئة صالحة يجدون فيها الصحبة الطيبة والقدوة الحسنة والبرنامج النافع.

غير أن التجربة لم تتوقف عند حدود الدورات التقليدية بل شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في الشكل والمضمون، فقد أدرك القائمون على العمل التربوي أن احتياجات الشباب تغيرت وأن بناء الشخصية يحتاج إلى بيئة أكثر عمقاً واستمرارية من مجرد ساعات يومية محدودة داخل المسجد، فبدأت فكرة “المخيمات التربوية” بالظهور والتوسع.

وأصبحت بعض البرامج تعتمد الانقطاع الكامل للطلاب لفترات طويلة من أجل التربية والتكوين العلمي والتربوي، ومن أبرز هذه النماذج برنامج “ركائز التمكين” في جامع أبي حنيفة في بغداد وفي جامع الشمري في الفلوجة، والذي استمر عدة سنوات متتالية حيث يقضي المشاركون قرابة شهرين كاملين في برنامج علمي وتربوي مكثف يتضمن الدراسة المنظمة والأنشطة التربوية والبرامج الإيمانية والمبيت، بما يشبه المعاهد التربوية المصغرة. وفي عامرية الفلوجة برزت تجربة مشروع “ورثة الأنبياء” التي تمتد لشهرين كذلك، وتجمع بين التربية الإيمانية والتأهيل العلمي وبناء الشخصية.

كما ظهرت مخيمات أسبوعية في عدد من مساجد بغداد، ولا سيما في جانب الكرخ، فتستمر أسبوعاً أو أسبوعين، وتقوم على الفكرة ذاتها المتمثلة في صناعة بيئة تربوية متكاملة يعيش فيها الشاب مع القرآن والعلم والصحبة الصالحة بصورة يومية.

ولم تقتصر التجربة على هذا النمط فقط، بل تنوعت أشكال المخيمات تبعاً للظروف والإمكانات. فهناك مخيمات ليومين متواصلين كما في مشروع “الرديف” وأخرى تمتد من صلاة العصر حتى صلاة العشاء كما في مشروع “تكوين العالم المؤصل” ومشروع “المبادئ التأسيسية” وأخرى تبدأ من صلاة الفجر الى صلاة الظهر كما هو الحال في مشروع “يمسّكون” وبعض مساجد الكرخ، ومخيمات نهاية الأسبوع التي تستمر ثلاثة أيام كما في مشروع “صناع الوعي المجتمعي”، فضلاً عن الرحلات التربوية والسفرات الترفيهية المنتظمة التي تنظمها الفرق المسجدية لتعزيز روح الأخوة والتعاون بين الشباب.

وهكذا لم تعد الدورات الصيفية مجرد دروس في داخل المسجد بل تحولت إلى منظومة تربوية متكاملة، وإلى ما يشبه المدارس الموسمية التي تصنع الشخصية وتكتشف المواهب وتبني القيادات الشابة. وقد أثبتت التجربة أن المخيمات التربوية أكثر قدرة على التأثير لأنها لا تقتصر على نقل المعرفة بل تصنع البيئة التي يعيش فيها الشاب القيم التي يتعلمها ويطبقها في حياته اليومية.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود على انطلاق هذه المسيرة، ما زالت الدورات الصيفية والمخيمات التربوية تمثل واحدة من أنجح التجارب الدعوية في العراق، فقد نجحت في ربط أجيال متعاقبة بالمساجد وأسهمت في تخريج أعداد كبيرة من الدعاة والمربين، وأنقذت آلاف الشباب من الفراغ والانحراف، ورسخت في نفوسهم معاني الإيمان والعلم والانتماء، وصنعت رجالاً وبنت قيادات وأسست لنهضة تربوية ما زالت آثارها حاضرة في المساجد والمدارس والمؤسسات العلمية إلى يومنا هذا.

سعد الحلبوسي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

لجنة الثوابت والفكر الإسلامي تنظم ندوة علمية حول عاشوراء

يسر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ممثلا في لجنة الثوابت والفكر

تكريم العلامة أحمد الريسوني في ماليزيا بجائزة السنة الهجرية لعام 1448هـ

احتفت دولة ماليزيا بفضيلة الأستاذ العلامة الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس

آخر المقالات

100%