الْمُقَدِّمَةُ:
إِنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ مَنْهَجٌ حَيَوِيٌّ يَبْنِي عَقْلَ الْمُؤْمِنِ وَيَصْقَلُ شَخْصِيَّتَهُ. وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنُ لِتَالِيهِ وَمُتَدَبِّرِهِ هُوَ رُوحُ “التَّوَسُّمِ” وَالْفِطْنَةِ؛ فَلَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ سَطْحِيَّ النَّظَرِ، يَعِيشُ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا حَوْلَهُ، بَلْ يَمْتَلِكُ بَصِيرَةً نَافِذَةً تَقْرَأُ الْقَرَائِنَ، وَتَسْتَدِلُّ بِالْعَقْلِ، وَتَزِنُ الْأُمُورَ بِمِيزَانِ الْحَقِّ.
وَأَصْلُ التَّوَسُّمِ: التَّثَبُّتُ وَالتَّفَكُّرُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَسْمِ وَهُوَ التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ فِي جِلْدِ الْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِجَوْدَةِ الْقَرِيحَةِ، وَحِدَّةِ الْخَاطِرِ، وَصَفَاءِ الْفِكْرِ([1]).
أوَّلاً: الْإِيمَانُِ يزيد اِلْفِطْنَةِ والتوسم:
قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُون}[البقرة:9]
إِظْهَارُ المؤمنين الِانْخِدَاعِ مَعَ التَّفَطُّنِ لِلْحِيلَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُضِرَّةٍ؛ َذَلِكَ مِنَ الْكَرَمِ وَالْحِلْمِ.
قَالَ الْفَرَزْدَقُ:
اسْتَمْطَرُوا مِنْ قُرَيْشٍ كُلَّ مُنْخَدِعٍ … إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا خَادَعْتَهُ انخدعا
والْإِيمَانُ يَزِيدُ الْفِطْنَةَ والتوسم؛ لِأَنَّ أُصُولَ اعْتِقَادِهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى نَبْذِ كُلِّ مَا مِنْ شَأْنِهِ تَضْلِيلُ الرَّأْيِ، وَطَمْسُ الْبَصِيرَةِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: «وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ» مَعَ قَوْلِهِ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ» ، وَكُلُّهَا تُنَادِي عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَلِيقُ بِهِ الْبَلَهُ “([2]).
فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ يَسْتَمِدُّ مِنْ نُورِ عَقِيدَتِهِ قُدْرَةً عَلَى تَمْيِيزِ الْحَقَائِقِ.
ثَانِيًا: مَحَبَّةُ اللَّهِ لِلتَّوَسُّمِ وَالِاسْتِدْلَالِ
قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75].
وَالْمُتَوَسِّمُونَ: هُمْ أَهْلُ التَّأَمُّلِ فِي السِّمَةِ (الْعَلَامَةِ) الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْلَمِ، وَالْمُرَادُ: الْمُتَأَمِّلُونَ فِي الْأَسْبَابِ وَعَوَاقِبِهَا([3]).
وَ “عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَنْبِيهِ عِبَادِهِ، أَنَّهُ يُحِبُّ مِنْهُمُ التَّوَسُّمَ فِي الْأَشْيَاءِ وَالِاسْتِدْلَالَ بِالْعَقْلِ وَالنَّظَرَ بِالْمُسَبَّبَاتِ عَلَى الْأَسْبَابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمَّا وَهَبَ الْإِنْسَانَ الْعَقْلَ فَقَدْ أَحَبَّ مِنْهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيمَا يَبْلُغُ بِهِ الْكَمَالَ وَيَقِيهِ الضَّلَالَ”([4]).
ثَالِثًا: طَبِيعَةُ التَّوَسُّمِ وَتَفَاوُتُ الْبَشَرِ فِيهِ:
أَفْرَادُ الْبَشَرِ يَتَفَاوَتُونَ فِي التَّوَسُّمِ وَالتَّفَرُّسِ فِي الذَّوَاتِ بِمِقْدَارِ تَفَاوُتِهِمْ فِي صِفَاتِ النَّفْسِ جِبِلِّيَّةً (فِطْرِيَّةً)، وَاكْتِسَابِيَّةً (بِالتَّعَلُّمِ)، وَلَدُنِّيَّةً (بِإِلهَامٍ مِنَ اللَّهِ) ([5]).
رَابِعًا: مِنْ وَسَائِلِ الْقُرْآنِ لِتَحْقِيقِ التَّوَسُّمِ (ضَرْبُ الْأَمْثَالِ)
قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ} [محمد: 3].
وَالْأَمْثَالُ: هِيَ الْأَحْوَالُ الَّتِي تُمَثِّلُ صَاحِبَهَا وَتُعَرِّفُ النَّاسَ بِهِ؛ فَلَا يَلْتَبِسُ بِنَظَائِرِهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ أَحْوَالَهُمْ؛ لِكَيْ يَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ فِي شُؤُونِهِمْ، وَلِئَلَّا يَخْتَلِطَ الْخَبِيثُ بِالطَّيِّبِ. وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى وُجُوبِ التَّوَسُّمِ؛ لِتَمْيِيزِ الصَّادِقِينَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ([6]).
الطريق إلى تحقيق جودة التوسم والفراسة:
قَالَ عَمْرُو بْنُ نُجَيْدٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «مَنْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَأَمْسَكَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَعَمَّرَ بَاطِنَهُ بِالْمُرَاقَبَةِ وَظَاهِرَهُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَتَعَوَّدَ أَكْلَ الْحَلَالِ لَمْ تَخْطِئْ فِرَاسَتُهُ» ([7]).
«وَكَانَ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَعْظَمَ الْأُمَّةِ فِرَاسَةً، وَبَعْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَوَقَائِعُ فِرَاسَتِهِ مَشْهُورَةٌ؛ فَإِنَّهُ مَا قَالَ لِشَيْءٍ أَظُنُّهُ كَذَا إِلَّا كَانَ كَمَا قَالَ، وَيَكْفِي فِي فِرَاسَتِهِ: مُوَافَقَتُهُ رَبَّهُ فِي الْمَوَاضِعِ الْمَعْرُوفَةِ».
خَامِسًا: نَمَاذِجُ وَتَطْبِيقَاتٌ عَلَى وَاجِبِ التَّوَسُّمِ
- التَّحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالظَّوَاهِرِ :
في هذه الآية مَعَان مِنْ مَعَانِي أَدَبِ النُّفُوسِ وَمَرَاتِبِهَا وَأَخْلَاقِهَا تُعَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَ التَّوَسُّمِ فِي الْحَقَائِقِ وَدَوَاخِلِ الْأُمُورِ، وَعَدَمَ الِاغْتِرَارِ بِالظَّوَاهِرِ إِلَّا بَعْدَ التَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ؛ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُغَرُّ بِحُسْنِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ مُنْطَوٍ عَلَى بَاطِنِ سُوءٍ، وَيُعْطِي مِنْ لِسَانِهِ حَلَاوَةَ تَعْبِيرٍ وَهُوَ يُضْمِرُ الشَّرَّ وَالْكَيْدَ قَالَ الْمُعَرِّيُّ:
وَقَدْ يُخْلِفُ الْإِنْسَانُ ظَنَّ عَشِيرَةٍ … وَإِنْ رَاقَ مِنْهُ مَنْظَرٌ وَرُوَاءُ
وَعَلَامَةُ الْبَاطِنِ تَكُونُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمَرْءِ؛ فَالَّذِي يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ، وَلَا يَكُونُ صَاحِبَ ضَمِيرٍ طَيِّبٍ، وَأَنَّ الَّذِي لَا يُصْغِي إِلَى دَعْوَةِ الْحَقِّ إِذَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ، وَيُظْهِرُ عَلَيْهِ الِاعْتِزَازَ بِالظُّلْمِ لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَلَا يَتْرُكُ أَخْلَاقَهُ الذَّمِيمَةَ، وَالَّذِي لَا يَشِحُّ بِنَفْسِهِ فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ؛ يُنْبِئُ خُلُقُهُ عَنْ إِيثَارِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْفَسَادِ، وَمَنْ لَا يَرْأَفُ فَاللَّهُ لَا يرأف بِهِ([8]).
- تَوَسُّمُ الْقَرَائِنِ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ:
قَالَ تَعَالَى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا} [يوسف: 8].
لَقَدْ عَلِمَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَرْطَ مَحَبَّةِ أَبِيهِمْ إِيَّاهُمَا مِنَ التَّوَسُّمِ وَالْقَرَائِنِ لَا مِنْ تَفْضِيلِهِمَا فِي الْمُعَامَلَةِ؛ فَلَا يَكُونُ يَعْقُوبُ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- مُؤَاخَذًا بِشَيْءٍ يُفْضِي إِلَى التَّبَاغُضِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ([9]).
سَادِسًا: ثِمَارُ التَّوَسُّمِ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ
- الْحَذَرُ مِنَ الْخَدِيعَةِ:
قال تعالى: {أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]
نَبَّهَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى وُجُودِ فَرِيقٍ حَوْلَهُمْ لَيْسُوا مِنْ حِزْبِ اللَّهِ (الْمُنَافِقِينَ)؛ لِيَتَوَسَّمُوا أَحْوَالَهُمْ حَقَّ التَّوَسُّمِ فَيُحَذِّرُوهُمْ([10]).
- إِصَابَةُ الْحِكْمَةِ:
قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلَّا } [الفجر:15- 16]
أَهْلُ الْعِلْمِ وَالتَّوَسُّمِ يَضَعُونَ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، وَيَتَطَلَّبُونَ الْحَقَائِقَ مِنْ دَلَائِلِهَا الْعَقْلِيَّةِ، وَلَا يَخْتَلِطُ عَلَيْهِمُ الِابْتِلَاءُ بِالْإِهَانَةِ، بَلْ يَعْرِفُونَ مُرَادَ اللَّهِ بِبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ([11]).
وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ- رضي الله عنه- يَقُولُ: إيَّاكُمْ وَفِرَاسَةَ الْعُلَمَاءِ، احْذَرُوا أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْكُمْ شَهَادَةً تَكُبُّكُمْ عَلَى وُجُوهِكُمْ فِي النَّارِ، فَوَاَللَّهِ إنَّهُ لَلْحَقُّ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ([12]).
وَأَصْلُ هَذَا فِي التِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ»، ثُمَّ قَرَأَ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75]([13]).
الْخَاتِمَةُ:
إِنَّ التَّوَسُّمَ ضَرُورَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ يَحُثُّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ. وَمِنْ خِلَالِ نُصُوصِ الْوَحْيِ، يَتَّضِحُ أَنَّ الْفِطْنَةَ وَالتَّفَرُّسَ هُمَا الْأَدَاتَانِ الرَّئِيسَتَانِ؛ لِتَمْيِيزِ الْخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ، وَلِتَحْقِيقِ الْحِكْمَةِ فِي وَضْعِ الْأُمُورِ فِي نِصَابِهَا الصَّحِيحِ؛ فَمَنْ رُزِقَ التَّوَسُّمَ فَقَدْ أُوتِيَ نُورًا يَهْتَدِي بِهِ فِي مُدْلَهِمَّاتِ الْأُمُورِ.
تَوْصِيَةٌ:
نَهِيبُ بِالْعُلَمَاءِ الْأَجِلَّاءِ أَنْ يَنْتَهِجُوا نَهْجَ الْقُرْآنِ فِي تَعْلِيمِ طُلَّابِ الْعِلْمِ التَّوسُّمَ فِي الْأَشْخَاصِ، وَقَضَايَا الْأُمَّةِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا انْبِعَاثُهَا مِنْ جَدِيدٍ.
[1] تفسير القرطبي مج 5، ج 10، (ص 44) .
[2] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 1/ 275.
[3] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 1/ 69.
[4] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 2/ 19.
[5] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 1/ 403.
[6] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 26/ 77.
[7] مدارج السالكين (2/ 505) .
[8] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 1/ 403.
[9] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 12/ 221.
[10] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 1/ 111.
[11] التحرير والتنوير ، لابن عاشور: 30/ 331.
[12] إعلام الموقعين، لابن القيم: 1/ 51.
[13] سنن الترمذي، (3127)، قال الألباني ضعيف.
