آخر الأخبار

الهجرةُ في سبيلِ اللهِ مراغمةٌ لأعداءِ اللهِ تعالى

شارك المقال على :

كمْ تبكي العيونُ حرقةً حينَ تغصبُ المراقدَ المنافي، وكمْ تعتصرُ القلوبُ شجناً عندَ لحظةِ الوداعِ الأخيرِ لجدرانٍ شهدتْ طفولتنَا وأحلامنَا!

فالهجرةُ مخاضٌ نفسيٌّ عميقٌ، تتمزقُ فيهِ أوردةُ الإلفِ؛ لتتصلَ بحبلِ التوكلِ المطلقِ على رب كريم.

إنَّ النفسَ البشريةَ حينَ تخرجُ غريبةً، حاملةً بينَ جناحيهَا عقيدتَهَا وكرامتَهَا، تحتاجُ إلى بلسمٍ قرآنيٍّ يشفي غليلَهَا، ويحولُ أنينَ الغربةِ إلى ترنيمةِ عزةٍ. ومنْ هنَا نبحرُ في عمقِ العطاءِ الإلهيِّ لنفهمَ كيفَ يكونُ الاغترابُ بوابةً للانتصارِ النفسيِّ والسلوكيِّ، لا للانكسارِ والذلةِ.

قالَ تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[النساء:100].

والمهاجرةُ في سبيلِ اللهِ هيَ المهاجرةُ لأجلِ دينِ اللهِ تعالى؛ حفاظًا عليه، ونصرة له، ونشرًا له في ربوع الأرض.

ومُراغَماً: مهاجراً وطريقاً يراغمُ بسلوكِهِ قومَهُ، أيْ يفارقُهُمْ على رغمِ أنوفِهِمْ.

والرغمُ: الذلُّ والهوانُ. وأصلُهُ لصوقُ الأنفِ بالرغامِ- وهوَ الترابُ- يقالُ: راغمتُ الرجلَ إذا فارقتَهُ وهوَ يكرهُ مفارقتَكَ؛ لمذلةٍ تلحقُهُ بذلكَ.

وقدمَ مراغمةَ الأعداءِ على سعةِ العيشِ؛ لأنَّ الابتهاجَ برغمِ أنوفِ الأعداءِ لسوءِ معاملتِهِمْ أشدُّ منَ الابتهاجِ بالسعةِ.

وهذهِ الفريدةُ (مُرَاغَمًا) لمْ تأتِ في القرآنِ إلا مرةً واحدةً، وجاءتْ في سياقِ الحديثِ عنِ الهجرةِ في سبيلِ اللهِ تعالى.

وندرتُهَا تدلُّ على رفعةِ وشرفِ المهاجرينَ في سبيلِ اللهِ تعالى، وتبينُ أنَّ أهلَ هذهِ العبوديةِ يمثلونَ نُدْرَةً.

وتبينُ أيضاً أنَّ هذا الَّذي أُذِلَّ هوَ الآنَ يُذِلُّ أنوفَ المجرمين الَّذينَ أذَلُّوهُ بالأمسِ، والجزاءُ منْ جنسِ العملِ.

“وكلما جدَّ العبدُ في الاستقامةِ والدعوةِ إلى اللهِ، والقيامِ لهُ بأمرِهِ، جدَّ العدوُّ في إغراءِ السفهاءِ بهِ، فهو في هذهِ العقبةِ قدْ لبسَ لأمةَ الحربِ، وأخذَ في محاربةِ العدوِّ للهِ وباللهِ، فعبوديتُهُ فيهَا عبوديةُ خواصِّ العارفينَ، وهيَ تسمى عبوديةَ المراغمةِ، ولا ينتبهُ لهَا إلا أولو البصائرِ التامةِ، ولا شيءَ أحبُّ إلى اللهِ منْ مراغمةِ وليهِ لعدوِّهِ، وإغاظتِهِ لهُ، وقدْ أشارَ سبحانَهُ إلى هذهِ العبوديةِ في مواضعَ منْ كتابِهِ: منها قولُهُ: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}[النساء:100].

سمى المهاجرَ الذي يهاجرُ إلى عبادةِ اللهِ مراغماً يراغمُ بهِ عدوَّ اللهِ وعدوَّهُ، واللهُ يحبُّ منْ وليهِ مراغمةَ عدوِّهِ، وإغاظتَهُ، كمَا قالَ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين}[التوبة:120].

وقالَ تعالى في مثلِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ وأتباعِهِ {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا}[الفتح:29].

فمغايظةُ المجرمين غايةٌ محبوبةٌ للربِّ مطلوبةٌ لهُ؛ فموافقتُهُ فيهَا منْ كمالِ العبوديةِ.

فالمُرَاغَمُ مشتملٌ على مصالحِ الدِّينِ، والسَّعةُ على مصالحِ الدُّنيَا.

واللّهُ يقررُ الحقيقةَ الموعودةَ لمنْ يهاجرْ في سبيلِ اللّهِ، إنَّهُ سيجدُ في أرضِ اللّهِ منطلقاً، وسيجدُ فيهَا سعةً، وسيجدُ اللّهَ في كلِّ مكانٍ يذهبُ إليهِ، يحييهِ، ويرزقُهُ، وينجيهِ، ويوسعُ عليهِ منْ فضلِهِ.

يا مَنْ تجرّعْتُمْ غُصَصَ الفراقِ في هذا الزمانِ، ويا مَنْ تَطَؤُونَ أرضاً غيرَ أرضِكُمْ، وتستظلونَ بسماءٍ غيرِ سمائِكُمْ؛ إنَّ غربتَكُمْ صناعةٌ ربانيةٌ.

حينَ تُغلقُ في وجوهِكُمُ الأبوابُ، وتشعرونَ بأنَّكُمُ الأضعفُ حيلةً، تذكّروا أنَّ بقاءَكُمْ على قيمِكُمْ، وتمسكَكُمْ بدينِكُمْ، ونجاحَكُمْ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها رغْمَ التهجيرِ والظلمِ؛ هوَ أعظمُ “مراغمةٍ” لقوى البغيِ التي أرادتْ إطفاءَ نورِكُمْ.

كلُّ سجدةٍ تسجدونَهَا في بلادِ الغربة، وكلُّ حرفٍ تُعلّمونَهُ أبناءَكُمْ؛ ليبقوا على عهدِ الإسلامِ، هوَ سهمٌ يصيبُ كبرياءَ الظالمينَ في مقتلٍ.

حولوا مشاعرَ الانكسارِ إلى عبوديةِ عزةٍ ومراغمةٍ، وثقوا بأنَّ “السعةَ” الموعودةَ آتيةٌ لا محالةَ؛ إمَّا فرجاً وتمكيناً في الدنيَا، أوْ رَوْحاً وريحاناً وأجراً واقعاً على اللهِ في الآخرةِ. فهنيئاً لأهلِ الندرةِ صنيعُهُمْ.

ونردد قول الشاعر:

يَا رَبِّ وامْنَحْنَا بِفَضْلِكَ هِجْـــــرَةًتَعْلو النُّفُوسُ بهَا عَلى الأَهْوَاءِ
ويكُونُ فِيْهَا هَجْـــــــــــــــــــــــــــــــرُ كُلِّ رَذِيلَةٍكَالْحِقْدِ والبَغْضَاءِ والشَّحْناءِ
وأَعِدْ لأُمَّتِنَا سَوَالِفَ مَجْــــــــــــــــــــدِهَاواكْتُبْ لنَا نَصْرَاً عَلى الأَعْدَاءِ
ثَبِّتْ إِلَهي كُلَّ مَنْ قَدْ جَاهَــــــــــــدُواوارْفَعْ لَهُمْ يَا رَبُّ خَيْرَ لِــــــــــــــــــــــوَاءِ
واحْقِنْ دِمَاءَ المُسْلمينَ جميعَهَالنكونَ يَا رَبِّي منْ السُّعَـــــــــــــــــــدَاءِ

اللَّهُمَّ يَا مَنْ جَعَلْتَ لِلْمُهَاجِرِينَ مَخْرَجاً وَسَعَةً، اجْعَلْ غُرْبَةَ إِخْوَانِنَا المُرَاغِمِينَ عِزّاً وَرِفْعَةً، وَبَلِّغْهُمْ فِي الدُّنْيَا نَجَاحاً وَتَمْكِيناً، وَفِي الآخِرَةِ رَوْحاً وَرَيْحَاناً، وَاجْعَلْ أُجُورَهُمْ عَلَيْكَ يَا كَرِيمُ.

توفيق زبادي
+ posts

الوسوم

أخبار ذات صلة

الصلاة وبناء الوعي النفسي والتربوي في ضوء منهج الإمام الحارث المحاسبي

يُعد الإمام الحارث بن أسد المحاسبي (ت 243هـ) من أوائل

الصَّلَاةَ: آخِرُ وَصَايا النبي صل الله عليه وسلم؛ وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة !

الصَّلَاةَ: آخِرُ وَصَايا النبي صل الله عليه وسلم؛ وأول ما

بيوتات الأنصار الحاضنة وأثرها في النُّفوس

لقد كان من نتائج إيمان الأنصار، ومبايعتهم، وتعهُّدهم بالنُّصرة أن

آخر المقالات

100%