——————————–
التهّرب مِن المسؤوليةِ خُلق ذميم، والذين لا يشعرون ولا يَحسون بواقعنا المُرّ من الواجب عليهم أن ينزووا، والذين لا يشعرون بالمصيبة التي أصابتنا في صميمنا ولا يتألمون لِما حلّ بإخوانهم في غزة أو في فلسطين المحتلة أو في السودان، يحتاجون إلى رجةٍ قويةٍ من مواطنيهم، وتوعيةٍ شديدةٍ حتى يَفيقوا وينتبهوا إلى الخطر المحيط بنا.
ما زال في شعوبنا العربية والإسلامية مَن يلهو في وقت الجِد، ويذهب إلى دور الملاهي كأننا في سلم وَدَعَة،
ومَن يَعيش الحياة كأن لم يحدث شيء في وطننا الكبير، هؤلاء وأمثالهم ينبغي أن يفهموا الواقع على حقيقته حتى ينفعلوا مع الأحداث وحتى يُحولوا ثمار الرَفَاهية إلى أولئك الذين يعيشون في العراء وقد طردهم الصهاينة شر طرده بعد أن اعتدوا عليهم وسلبوهم كل ما يملكون، واستباحوا دماءهم، وديارهم فحطموها وساووها بالأرض وصنعوا الإرهاب معهم كي يفروا بجلودهم، ولم يراعوا شيخنا مُسناً كبيراً أو امرأة عجوزاً أو طفلاً صغيراً.
لم يراعوا أبسط قواعد الإنسانية معهم وإنما عاملوهم بوحشية لم يسبق لها مَثيل، يندى لها جبين الإنسانية ويكفهر لها وجه الأرض والسماء، ولا يرضى عنها رب الخلق أجمعين.
من أجمل هؤلاء ينبغي أن نُغير أسلوب حياتنا، وأن نجمع لهم المال كي نُشعرهم أنّ الإنسان ما زال بخير وأنّ العربي أخ للعربي وأنّ المسلم أخ للمسلم يتألم لمأساته ويشعر بالحُزن لِما أصابه، وقد أصبنا في صميمنا من جراء هذه المصيبة.
ليس معنى ذلك أن نَيأس أو أن نَكون سلبيين، فالمآسي هي التي تخلق الرِجال وَتشُد من عزائمهم وتجعلهم يتجهون اتجاهاً إيجابيا، هذا الاتجاه هو الذي يرفعهم ويدفع بهم إلى تغيير أسلوب حياتهم تغييراً جذرياً.
لا دور ملاهي ولا ساحات لعِبَ بعد اليوم ولا كماليات، وإنما ينبغي أن نشُد الأحزمة على البطون وَنُحَول الفائض والزائد من دخلنا إلى كسب المعركة أولاً، ثم بعد ذلك نُحول الزائد والفائض من أجل إخواننا الذين شردوا وأُخرجوا من ديارهم وأصابتهم المصيبة في أنفسهم وأموالهم وأولادهم.
هم يحتاجون إلى اليد الحانية الرقيقة ويحتاجون إلى الشعور الإنساني وإلى المؤاخاة الحقة، وإلى البذل والفداء جزاء تضحياتهم لِما حلّ بهم من نكبات.
والحرب لا تكسب بالكلمات التي تقال، ولا بالانفعال العاطفي السلبي وإنما بالانفعال الإيجابي، الانفعال الذي يزيل آثار العدوان ومخلفاته.
هناك أشياء يُمكِنُنا هنا أن نستغني عنها من ملابس مستعملة وأغطية وغيرها فلندفعها إلى إخواننا المنكوبين، ولنعينهم على تحمل النكبة، ولنتضامن كرجلٍ واحد وقع به الضير والضر.
لا يكفي أبداً أن نعض الشِفاه أسىً وحسرةً، ثم نستأنف حياتنا كما في أيام السِلم والرخاء غير مُبالين بما يقع كأنه لم يقع.
المعركة طويلةٌ وشاقة وعسيرة ومستمرة، والذين يظنون أنّها معركة ساعات، أو أيام أو شهور أو أعوام فإنهم واهمون، والشاهد ما يحدث في غزة اليوم…. الاعتداءات مستمرة.
وهذه المعركة تقتضي منّا جميعاً أن نُغير وأن نبدلَ في أُسلوب حياتنا من أجلنا أولاً، فالصهاينة لو تمكنت – لا قَدّر الله – فَستحتل أرض العرب والمسلمين جميعا، ولو تقاعسنا سيكُون مصيرنا كمصير الذين نُكبوا في فلسطين وغيرها النكبة الكبرى، ولن ينفعنا المال أو الرفاهية والحياة الهانئة الوادعة، وسَيَصَّدَقُ فينا حِينئذٍ قول الله تعالى ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦﴾ [الإسراء: 16] سُنةُ الله في خلقهِ ولنّ تَجد لسُنةِ الله تبديلاً ولا تحويلا.
وإرادة الإنسان الحقيقي تظهر في الأزمات والشدائد والمُلمات، والإنسان الحق هو مَن يستطيع أن يتغلب على نوازعه وشهواته وأن يضع إمكانياته عند الخطر في سبيل الله وفي سبيل أمته ووطنه، والإنسان الحق هو مَن يَملك البادرة ويسعى لها سعيها وهو مؤمن، ويعمل من أجل النصر المؤزر، النصر على نفسه أولاً وعلى أعدائه ثانياً.
-إلى الذين ما زالوا يعيشون بأسلوب ما قبل واقعة غزة … أوجه هذا الحديث علهم أن يرعووا.
